الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

سلسلة: (مسلك عرفات المحمدي المتهور في علم الحديث، وسوء أدبه مع الأكابر، وتقصُّده تتبع الإمام الألباني رحمه الله)

٩ شوال ١٤٤٧ هـ٢٨ مارس ٢٠٢٦
الردودالمقالاتالرد على عرفات المحمديعلوم الحديث
سلسلة: (مسلك عرفات المحمدي المتهور في علم الحديث، وسوء أدبه مع الأكابر، وتقصُّده تتبع الإمام الألباني رحمه الله)

الحلقة الثالثة: حديث وائل بن حجر رضي الله عنه: زيادة "ويُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا"، وحكمه عليها بالشذوذ، وما جاء في قوله المزدري للإمام الألباني: «إن لم يكن هذا شذوذًا فلا أدري ما الشذوذ»

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإنَّ من أعظم ما يُبتلى به طالبُ العلم في هذا الزمان: التجرؤُ على أئمةِ الحديث، وتتبعُهم بالمخالفة دون رسوخٍ في هذا الفن، ولا إحكامٍ لأصوله، ولا تمرّسٍ بمناهج نقّاده؛ وقد كان السلفُ – رحمهم الله – على خلاف ذلك، يهابون الخوض في علل الحديث، ويعدّونه من أدقِّ العلوم وأخطرها، حتى قرروا أنَّ الكلام فيه مزلة أقدام، لا يخوضه إلا الجهابذة الذين خبروا الطرق، ومارسوا الروايات، وعرفوا دقائق الاختلاف والقرائن الخفية. ومن هنا فإنَّ منهج التتبع لمجرد المخالفة – لا للتحقيق المبني على أصول هذا العلم – هو مسلكٌ محدثٌ يفضي إلى تضعيف السنن، وتشويش طلبة العلم، وزعزعة الثقة بأئمة هذا الشأن، إذ ينقلب فيه ميزان البحث من فهم كلام الأئمة إلى مصادمتهم، ومن التأصيل إلى الاستدراك المتكلَّف. وإنَّ هذه الحلقة الثالثة في الرد على عرفات المحمدي تأتي تأكيدًا لهذا المعنى؛ إذ تبيَّن من صنيعه في المسائل السابقة، ثم في هذه المسألة [انظرها في هذا الرابط] https://t.me/Arafatbinhassan/17274 ، أنه يسلك مسلك التعجل في إطلاق الأحكام، وسوء تنزيل القواعد، وترك قاعدة الجمع التي هي أصلٌ عند النقاد، مع الجرأة على مخالفة إمامٍ متمرّسٍ كالإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في دقائق هذا الفن؛ وهذا كلّه يدل دلالة ظاهرة على ضعف قدمه في علم الحديث، ولا سيما في باب العلل، وأنَّ ما يظنه تحقيقًا إنما هو في حقيقته تتبعٌ غير منضبط، ومناهضةٌ للأئمة بغير عدةٍ علميةٍ كافية، والواجب على طالب العلم أن يعرف قدر نفسه، وأن يلزم طريقة الأئمة في الفهم والجمع والترجيح، فإنهم أرسخ علمًا، وأدق نظرًا، وأبعد عن الزلل.

أولًا: محل النزاع: المسألة التي نحن بصددها:
زيادة: (يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا) في حديث وائل بن حجر رضي الله عنه.
وقد حكم عرفات المحمدي عليها بالشذوذ، وجعل رواية زائدة بن قدامة مثالًا للشاذ، مخالفًا بذلك الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله متقصداً متعمداً فيما يظهر لك في هذه السلسلة في أكثر من أربعين موضعاً.
والمتأمل في سلسلة اعتراضاته يجدها كلها شططٌ في إطلاق الأحكام، وتعسفٌ في تنزيل المصطلحات، وجرأةٌ على الأئمة، كما تتسم بقصورٍ علميٍ فاضحٍ، ووقاحةٍ في المخالفة، لا يُعذر فيها بسبب طول لسانه وتهجمه على هذا الإمام الجليل.
ثانيًا: تحرير محل القاعدة (الشذوذ أو زيادة الثقة)
الشاذ: مخالفة الثقة (أو مقبول الرواية حتى يدخل في التعريف الصدوق) لمن هو أوثق مع تعذر الجمع.
زيادة الثقة: أمَّا زيادةُ الثقةِ: فهي أن يرويَ الثقةُ زيادةً في لفظٍ أو معنىً لم يذكرْها غيرُه ممَّن شاركهُ في أصلِ الحديثِ، مع اتِّحادِ المخرجِ.
فهي ليست مخالفةً بالضرورةِ، بل زيادةٌ على الأصلِ.
وهنا قاعدة عظيمة ينبغي تأصيلها: (لا يُصار إلى الترجيح إلا بعد تعذر الجمع).
وهذه قاعدة مقررة عند الأصوليين وأئمة الحديث وغيرهم.

ثالثًا: هل زيادة التحريك مخالفة أم زيادة؟
الجواب: ليست مخالفة أصلًا، بل هي زيادة.
لماذا؟ لأن الروايات الأخرى فيها: الإشارة بالسبابة، ورواية زائدة فيها: الإشارة مع التحريك، فهل هذا تعارض؟ الجواب: لا
بل هو من باب: زيادة بيان، لا زيادة تضاد، كما سيأتي بيان ذلك.

رابعًا: قاعدة الجمع مقدم على الترجيح:
قرر الأئمة: "الجمع أولى من الترجيح ما أمكن" أو (لا يُصار إلى الترجيح إلا بعد تعذر الجمع).
وهنا الجمع ممكن بلا تكلف:
الإشارة: أصل الفعل.
والتحريك: صفة من صفاته.
وهذا نظير:
رفع اليدين مع تحريكهما.
أو الإشارة بالرأس مع تحريكه.

خامسًا: أدلة الجمع من السنة:
وَأَمَّا إِمَامُنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ، الْعَلَّامَةُ الْمُحَدِّثُ الألْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَدْ أَثْبَتَ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ تَعْتَرِيهِ أَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَلَيْسَتْ شُذُوذًا؛ إِذْ بَيَّنَ أَنَّ التَّحْرِيكَ لَا يُنَافِي الإِشَارَةَ وَلَا يُخَالِفُهَا، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بالْآتِي:
1- حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي اللهُ عنهما، قَالَتْ: «دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها ‌وَهْيَ ‌تُصَلِّي ‌قَائِمَةً ‌وَالنَّاسُ ‌قِيَامٌ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟! فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَقَالَتْ بِرَأْسِهَا: نَعَمْ». رواه البخاري في (صحيحه) [2/213 رقم: ١٢٤٤].
وَفِيهِ: أَنَّهَا أَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَمِنَ الْمَتَيَقَّنِ أَنَّهَا حَرَّكَتْهُ بِالرَّفْعِ، وَمَعَ ذَلِكَ سَمَّتْهَا إِشَارَةً، وَقَوْلُهَا: «فَقَالَتْ بِرَأْسِهَا: نَعَمْ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حَرَّكَتْ رَأْسَهَا صُعُودًا وَهُبُوطًا، وَمَعَ ذَلِكَ وَصَفَتِ الْفِعْلَ بِأَنَّهُ إِشَارَةٌ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الإِشَارَةَ لَا تُنَافِي التَّحْرِيكَ.
2- وحديث عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، ‌فَصَلَّى ‌جَالِسًا، ‌وَصَلَّى ‌وَرَاءَهُ ‌قَوْمٌ ‌قِيَامًا، ‌فَأَشَارَ ‌إِلَيْهِمْ: (‌أَنِ ‌اجْلِسُوا). ‌فَلَمَّا ‌انْصَرَفَ قَالَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا) رواه البخاري في (صحيحه) [1/244 رقم: ٦٥٦].
وفي قولها: «فأشارَ إليهم أنِ اجلسوا» دليلٌ بيِّن على أنَّ الإشارةَ قد تكونُ مقرونةً بحركةٍ، إذ إنَّ إشارةَ النبي ﷺ لم تكن مجرَّدَ رفعِ يدٍ بلا حركةٍ، بل حركةً تدلُّ على المعنى المقصود، وهي الأمرُ بالجلوس، فسمَّتها عائشةُ إشارةً مع أنَّها متضمِّنةٌ للتحريك، فدلَّ ذلك – كما قرَّره الإمامُ الألبانيُّ – على أنَّ الإشارةَ لا تُنافي التحريكَ، بل قد تجتمعُ معه ولا تُخْرِجَه عن مسمَّاه.
3- وحديث أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ، فَأَخَذَهَا يَهُودِيٌّ فَرَضَخَ رَأْسَهَا بِحَجَرٍ، وَأَخَذَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الحُلِيِّ، قَالَ: فَأُدْرِكَتْ وَبِهَا رَمَقٌ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَكِ، أَفُلَانٌ؟»، قَالَتْ بِرَأْسِهَا: لَا، قَالَ: «فَفُلَانٌ؟» حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، ‌فَقَالَتْ ‌بِرَأْسِهَا: ‌نَعَمْ، قَالَ: فَأُخِذَ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. رواه البخاري والترمذي واللفظ له.
وقولُه: «قَالَتْ بِرَأْسِهَا: لا»، و « قَالَتْ بِرَأْسِهَا: نعم»، يدلُّ دلالةً بيِّنةً على أنَّ الإشارةَ المعبَّر عنها بقولها (قالت برأسها) تشتملُ على حركةٍ محسوسةٍ تُفهمُ منها المعاني المقصودة؛ إذ لا يُتصوَّرُ نفيٌ أو إثباتٌ بالرأس إلا بتحريكِه إلى الجانبين أو خفضًا ورفعًا.
ومع ذلك عبَّر عنها الراوي بلفظ القولِ والإشارةِ، فدلَّ على أنَّ الإشارةَ لا تُنافي التحريكَ.
وقد أقرَّ النبيُّ ﷺ هذه الإشارةَ المصحوبةَ بالحركةِ، وجَعَلَها بَيانًا مَقْبُولًا دَالًّا على المرادِ، واقتصَّ من اليهوديِّ بِسَبَبِهَا، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ.
وهذا كلُّه يُؤيِّد ما قرَّره الإمامُ الألبانيُّ رحمه الله من أنَّ زيادةَ "التحريك" في حديثِ التَّشَهُّدِ زيادةُ ثقةٍ غيرُ شاذَّةٍ، لأنَّ التحريكَ لا يُنافي الإشارةَ، بل هو من حقيقتِها.
والأمثلةُ على اجتماعِ الإشارةِ مع التحريكِ في السُّنَّةِ كثيرةٌ جدًّا، غيرَ أنَّ هاهُنا أمرًا بالِغَ الأهمِّيَّةِ ينبغي التنبُّهُ له، وهو أنَّ تفرُّدَ الثِّقَةِ زَائِدَةَ بنِ قُدَامَةَ بهذه الزِّيادَةِ – أَعْنِي قولَه في حديثِ وائلِ بنِ حُجْرٍ: «ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا» – قلتُ زيادةً ولم أقل: مُخَالَفَةً حتَّى يُحكَمَ عليها بالشُّذُوذِ، بل هو مِنْ بَابِ زيادةِ الثِّقَةِ، لِمَا قامَ في الرَّاوِي مِنْ قُوَّةِ الضَّبْطِ، وشِدَّةِ التَّحَرِّي، وعلُوِّ المَنْزِلَةِ في الإتْقَانِ والدِّيَانَةِ.
سادسًا: حال الراوي زائدة بن قدامة:
وهنا موطن الحسم: زائدة بن قدامة:
قالَ الذَّهَبِيُّ في السِّيَر: «الإِمَامُ الثِّبْتُ، الحافِظُ أَبُو الصَّلْتِ، الثَّقَفِيُّ الكُوفِيُّ».
وقالَ النَّسَائِيُّ: «ثِقَةٌ» وقال ‌عثمان ‌بن ‌زَائدةٍ: «قَدِمْتُ ‌الكوفةَ، فَقُلْتُ لِلثُّورِيِّ: مِمَّنْ أَسْمَعُ؟ قالَ: عَلَيْكَ بِزَائدةٍ».
وقالَ أَبُو أُسَامَةَ: «حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، وكانَ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ وأَبَرِّهِم».
وقالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: «حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بنُ قُدَامَةَ، وكانَ لا يُحَدِّثُ قَدَرِيًّا ولا صاحِبَ بِدْعَةٍ».
وقالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «المُتَثَبِّتُونَ في الحَدِيثِ أَرْبَعَةٌ: سُفْيَانُ، وشُعْبَةُ، وزُهَيْرٌ، وزَائِدَةُ»، وقالَ أيضًا: «إِذَا سَمِعْتَ الحَدِيثَ عَنْ زَائِدَةَ وزُهَيْرٍ، فَلَا تُبَالِ أَنْ لَا تَسْمَعَهُ عَنْ غَيْرِهِمَا، إِلَّا حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ».
وقالَ أَبُو زُرْعَةَ: «صَدُوقٌ، مِنْ أَهْلِ العِلْمِ».
وقالَ أَبُو حَاتِمٍ: «كانَ ثِقَةً، صاحِبَ سُنَّةٍ، وهو أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَبِي عَوَانَةَ، وأَحْفَظُ مِنْ شَرِيكٍ وأَبِي بَكْرِ بنِ عَيَّاشٍ».
وقالَ العَجْلِيُّ: «كانَ ثِقَةً، صاحِبَ سُنَّةٍ».
وقالَ ابنُ سَعْدٍ: «كانَ ثِقَةً، مَأمُونًا، صاحِبَ سُنَّةٍ».

ثُمَّ انظُرْ إلى هذه الخَصِيصَةِ الفَرِيدَةِ الَّتِي تُعَدُّ قَرِينَةً قَوِيَّةً في مَقَامِنَا هذا، قالَ ابنُ حِبَّانَ في الثِّقَات:
«كانَ مِنَ الحُفَّاظِ المُتْقِنِينَ، لَا يَعُدُّ السَّمَاعَ حَتَّى يَسْمَعَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ».

فهذه القَرَائِنُ المُتَضَافِرَةُ في توثِيقِ هذا الإِمَامِ الجَهْبَذِ تَدُلُّ على أنَّ تفرُّدَهُ بِزِيَادَةِ التَّحْرِيكِ لَا يُحْمَلُ عَلَى الوَهْمِ ولا الشُّذُوذِ، بَلْ هي زِيَادَةُ حَافِظٍ مُتْقِنٍ، لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ التَّفَرُّدُ إِلَّا عَنْ تَثَبُّتٍ وَتَيَقُّنٍ، فَيَكُونُ مَا زَادَهُ مِنْ قَبِيلِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ المَقْبُولَةِ، لَا مِنْ قَبِيلِ الشَّاذِّ المَرْدُودِ.

سابعًا: وعلى ما سبق فهل خالف زائدةُ الحفاظَ؟
الجواب: لم يخالفهم، بل:
هم ذكروا أصل الإشارة
وهو ذكر صفتها (التحريك)
وهذا لا يُعد مخالفة، بل:
زيادة غير منافية

ثامنًا: خطأ تنزيل الشذوذ في هذا الموضع:
قولُ هذا المتكلِّف السَّمِج (الثعلب المكار): «إن لم يكن هذا شذوذًا فلا أدري ما الشذوذ»، دعوى عريضة لا يُسعفها دليل، ولا يعضدها تحقيق؛ إذ الشذوذ عند أئمة هذا الشأن ليس لفظًا يُرمى به في كل موطن اختلاف، بل هو حكمٌ دقيقٌ منضبط، لا يُصار إليه إلا عند تحقق المخالفة الصريحة مع تعذر الجمع، وهو منتفٍ هنا جملةً وتفصيلًا.

بل نقول – ردًّا عليه –: لو سُلِّم لك هذا المسلك، لبطلت جملةٌ عظيمة من زيادات الثقات في السُّنَّة، ولانهدَّ أصلٌ راسخ من أصول هذا الفن؛ لأنَّ هذه الصورة بعينها لا تتضمن مخالفةً تُوجب ردًّا، ولا تعارضًا يستدعي ترجيحًا، بل هي من باب الزيادة التي يُمكن جمعها مع الأصل بلا كلفة، وإعمالُ النصوص كلِّها أولى من إهدار بعضها بلا بيِّنة، كما هو مقررٌ عند النقاد.

وإنما هذا الإطلاقُ المتعجِّلُ لحكمِ الشذوذ إنما هو حكمٌ سطحيٌّ بادي الرأي، لا يصدر عن متمحِّصٍ في هذا العلم، ولا عمَّن خبر دقائقه وسبر أغواره، كما هو شأنُ الأئمة النُّقَّاد، وعلى رأسهم الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، الذي أفنى عمره في خدمة السُّنَّة، وبذل وُسعه في تتبّع طرقها، وتمييز صحيحها من سقيمها، حتى صار من أئمة هذا الشأن في عصره، وقد صدق فيه ثناءُ أهل العلم، ومن ذلك ما يُروى عن شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله في تعظيم جهوده، وأنه قام بخدمةٍ للإسلام بما لا تقوم بها الجموع الجيوش الكثيرة، أو نحو ذلك.
وأمَّا ما صدر من هذا المتكلِّف (الثعلب المكار)، فليس من قبيل التحقيق العلمي الرصين، بل هو: توسُّعٌ غيرُ منضبط، وجرأةٌ على مصطلحات الأئمة، وقصورٌ ظاهرٌ في فقه مناهجهم.
وليس العجب – في الحقيقة – ممَّن خالف الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، أو غيره من أئمة الإسلام؛ فإنَّ المخالفة في نفسها ليست مذمومة إذا بُنيت على علمٍ راسخٍ وأدبٍ رفيعٍ وتحقيقٍ معتبر.

وإنما العجب كل العجب:
من ضعيفٍ - بيِّن الضعف - متصدِّرٍ لم يُحكم هذا الفن، ولم ترسخ قدمه فيه، ثم يتعمَّد تتبُّع الأئمة الكبار بالمخالفة، ويجعل من نفسه ندًّا لهم في دقائق العلل، مع ما يصحب ذلك من جفاءٍ في العبارة، وسوء أدبٍ في الطرح، ونَفَسٍ فيه تعالٍ وتكبُّر، كأنَّ هذا العلمَ الشريف يُنالُ بالدعاوى العريضة، أو تُدركُ مراتبهُ بالجرأةِ المجرَّدة، وقِلَّةِ الأدبِ مع الأئمَّة، لا بالسهرِ والتعب، وطولِ الملازمة، ومزاحمةِ العلماء، وثنيِ الرُّكَبِ بين أيديهم، والتدرُّجِ في مدارجِ التحصيل حتى تُفتحَ للمرءِ أبوابُ الفهم، ويُرزقَ نورَ التمييز؛ فهيهاتَ هيهات، إنما يُؤتى هذا الشأنُ من أبوابه، ويُنالُ بالصبرِ والمكابدة، والتواضعِ للحقِّ وأهله، لا بالتعالي عليهم ولا بمصادمتهم بغير عُدَّةٍ ولا أداة.
فمثلُ هذا المسلك لا يدلُّ على تحقيقٍ، بقدر ما يكشف عن اضطرابٍ في التصوّر، وضعفٍ في التأصيل، وخللٍ في ميزان الأدب قبل ميزان العلم.

نسألُ اللهَ السلامةَ والعافية، وأن يرزقنا وإخواننا لزومَ غرزِ الأئمّة، وحسنَ الأدب معهم، ومعرفةَ أقدارهم؛ فإنَّ من لم يعرف قدرَ نفسِه، لم يعرف قدرَ غيرِه.
ونسألُ اللهَ أن يرحمَ الإمامَ العلّامةَ المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني رحمةً واسعة، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، فقد أفنى عمرَه في خدمة السنّة، ونشرها، والذبّ عنها، وقرّبها للناس تحقيقًا وتخريجًا وتعليمًا، حتى صار عَلَمًا في هذا الشأن، يُهتدى به في الدجى، ويُرجع إلى قوله عند التنازع. فلله درّه من إمامٍ خدم الحديث وأهله، ونصر السنّة وأعلاها، وذبّ عن حياضها بما آتاه الله من علمٍ وبصيرة.

وإنّا – والله – لَنَدينُ لله بمحبَّته، ونرى له حقَّه من التوقير والإنصاف، ونسأل الله أن يجعلنا من السائرين على نهجه في نصرة السُّنَّة، والذبِّ عن الأئمَّة، وأن يحيينا على ذلك ويميتنا عليه، وأن يكتب لنا أجر الدفاع عنهم والاقتداء بهم ما حيينا، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه، وهو المستعان، وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تنبيه:
لي محاضرة [50 دقيقة تقريباً] في الفرق بين الشذوذ وزيادة الثقة تجدها على موقع (المدرسة النبوية للعلوم الشرعية) على التليجرام واليوتيوب، وستجدها مفرغة في أول تعليق إن شاء الله.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية
ليلة الأحد 10 شوال 1447 هـ.

مواد ذات صلة