الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

النَّبز بالألقاب وتمزيق الصف: كيف يُعاد إنتاج المصعفقة من جديد

٢٦ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ١٧ ديسمبر ٢٠٢٥
المقالاتالمنهج والدعوة السلفية
مقال الأسبوع: (النَّبز بالألقاب وتمزيق الصف: كيف يُعاد إنتاج المصعفقة من جديد)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:

فإن من أعظم البلاء على الدعوة السلفية أن يتصدَّر لها أقوامٌ جعلوا الخلاف المستساغ تضادًّا، والاجتهاد خيانة، والنصيحة تشهيرًا، والتحذير الشرعي تصفية حسابات. قومٌ لم يكتفوا بإشاعة الشقاق، بل أحكموا صناعته، وسقوه للشباب باسم (المنهج).

أولًا: إعادة إنتاج المصعفقة بلباسٍ جديد:
إن المتأمِّل في طرائق هؤلاء لا يخطئ الشَّبه بينهم وبين المصعفقة أتباع محمد بن هادي، بل وبين الحدادية في أصول الاستدلال ومسالك العمل:
• التفتيش عن الزلَّات وجعلها منهجًا لا عارضًا.
• جمع العبارات المجتزأة وبناء أحكامٍ كلية عليها.
• النبز بالألقاب، وإسقاط المخالف قبل مناقشة قوله.
• التشنيع على العلماء وطلبة العلم إن لم يوافقوا خطَّهم، مع ادِّعاء الاحتكام للمنهج.
• التترس بعالم كبير يدَّعون محبته لتمرير مخططاتهم الخبيثة.
• استغلال الأدلة القديمة خارج سياقها لتبرير استهداف المعارضين.
• تضخيم الأخطاء البسيطة وتحويلها إلى محاكمات شرعية مزعومة.
• تحويل الخلاف العلمي إلى خصومة شخصية وحرب على الأسماء.
• تعميم التهم على كل من خالفهم بدلاً من مناقشة المسألة العلمية بموضوعية.
• ابتكار قوالب سلفية زائفة على غرار المصطلحات الشرعية مع قلب مقاصدها، كادعائهم أن (السلفية هي الوضوح، إنما هؤلاء أدعياء الوضوح يقصدون منها إسقاط العلامة فلان ورفع اسم الشيخ الفلاني ...) مُغرِّرين المبتدئين والسذج وتضليلهم.
• سعي متواصل للسيطرة على الشباب وإبعادهم عن الحقيقة، باسم الدفاع عن المنهج.
وهذه الأصول – مهما تزيَّنت – ليست من السلفية في شيء، بل هي نقيضها.

ثانيًا: أما عن تحزيب الشباب:
لقد نبزوا إخوانهم زورًا ومينًا بلقب «جماعة الوضوح»؛ تَشنيعًا لا توصيفًا، وتلبيسًا لا تعريفًا، على نحوٍ يُعيد إلى الأذهان صنيعَ كبيرِ الأخسِّ من الحدادية حين عمَّم لقب «الصعافقة» على كل من خالفه، ولو كان من أرسخ العلماء علمًا وأقومهم ديانة. ثم جاء هذا الرجيع فاستنسخ المنهج ذاته، وارتضى الأدوات نفسها: تفتيشٌ عن العثرات، وتصيُّدٌ للزلات، وإحياءٌ للافتاتٍ واهية كانت عُدَّة المصعفقة بالأمس، فأُخرجت اليوم من قبورها لتؤدِّي الدور نفسه في تمزيق الصف وتشويه السمت.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدِّ؛ بل جاوزوه إلى توظيف جراحاتٍ قديمة، مثال ما أبرزوه من تجريحِ العلامة حسن بن عبد الوهاب البنا – رحمه الله – في كاتب هذه السطور، وفي الشيخ الفاضل فواز بن علي المدخلي، صناعةَ حقدٍ وكراهية؛ إذ وقفنا – ومن معنا من العلماء والمشايخ وطلاب العلم الأفاضل- لهم بالمرصاد ببسالةٍ وشجاعة، صيانةً للدين، وذبًّا عن أعراض علماء ومشايخ صُعْفِقوا ظلمًا.
ويا للأسف! فقد سنَّ بعضهم لنا ظهرَ المجنِّ، بل غلبة الظن أنهم خلف هذا الشِّقاق، إذ اخترعوا للأبواق هذا اللقب المستحدَث «جماعة الوضوح» سُلَّمًا للطعن، وجعلوا التنابز به آلةَ تنفير لكل من خالف أهواءهم وخططهم التي غدت مكشوفةً لكثير من ذوي البصائر. فما الوضوح عندهم إلا وضوح الخصومة لا وضوح المنهج، ولا المنهج إلا مطيةً لإسقاط المخالف لا ميزانًا لإقامة الرحمة والعدل بين الناس.
والحق أن السلفية أرفعُ من أن تُختزل في أسماءٍ وشعارات، وأطهرُ من أن تُستعمل وقودًا للأهواء. هي عدلٌ وإنصاف، ونصيحةٌ بستر، وتحذيرٌ بضوابط؛ فمن حوّلها سوطًا على ظهور أهلها فقد جهلها، ومن جعلها جسرًا لأغراضه فقد خانها.
وستبقى السلفية – مهما تعالت الضوضاء – منهجًا جامعًا يحمله أهل العلم، لا رايةَ خصومة يلوَّح بها المتعصبون.
ثالثاً: السلفية التي عرفها الأئمة:
• نصيحةٌ بستر، لا فضيحةٌ بتتبُّع.
• تحذيرٌ بضوابط، لا تهوُّرٌ بالتعميم.
• جمعٌ للكلمة، لا توسيعٌ لدائرة الفُرقة.
ورحم الله شيخنا الإمام ربيعاً رحمة واسعة إذ قال: (نشأ أناس لا يفهمون السلفية على وجهها، يزعم أحدهم أنه سلفي ! ثم لا تراه إلا وهو يقطع أوصال السلفية لسوء سلوكه وسوء المنهج) اهـ. (المجموع) [14/ 90]، وما الأرعن والبرذون الجامح من ذلك ببعيد.

خاتمة
وخلاصة القول: إن ما يجري اليوم من نبزٍ وتنفير، وتفتيشٍ عن العثرات، وبعثٍ لفتنٍ قد خمدت، ليس من السلفية في شيء، وإن تزيَّن باسمها وتدثَّر بشعاراتها. بل هو مسلكٌ يُنافي مقاصدها، ويصادم أصولها، ويهدم ما جاءت لحفظه من اجتماع الكلمة وصيانة الأعراض ونصح الأمة.

وقد قرر الله تعالى أصل العدل والإنصاف، ونهى عن مسالك الهوى والعدوان، فقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، وقال جل وعلا في ذم التنازع والتفرق: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
وحذَّر النبي ﷺ من مسالك الظلم والبغي، فقال: « اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ‌ظُلُمَاتٌ ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ » (رواه مسلم)، وقال ﷺ في صيانة الأعراض: « كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ ‌دَمُهُ، ‌وَمَالُهُ، ‌وَعِرْضُهُ » (رواه مسلم).

كما بيَّن ﷺ أن النصيحة الشرعية قائمة على الصدق والرحمة، لا على التشهير والتشهِّي، فقال: ‌‌«‌الدِّينُ ‌النَّصِيحَةُ» ، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (رواه مسلم)، ولم يجعلها بابًا لتصفية الحسابات ولا مطيَّة لإسقاط المخالفين.
فالسلفية الحقَّة هي ما كان عليه الأئمة: علمٌ بعدل، وتحذيرٌ بضوابط، ونصيحةٌ بستر، واجتماعٌ على الأصول مع سعةٍ في مسائل الاجتهاد. ومن جعلها راية خصومة، أو سلَّمًا للتحزيب، أو أداة لتمزيق الصف، فقد ظلمها وإن انتسب إليها، وناقضها وإن أكثر من الدَّعاوى.

نسأل الله تعالى أن يكفينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجمع القلوب على الحق، وأن يردَّ الغالين، ويهدي الحائرين، ويثبِّت أهل العدل والإنصاف، وأن يحفظ الدعوة السلفية من كيد الكائدين، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين.
صباح الأربعاء: 26 / جمادى الآخر / 1447 هـ.

مواد ذات صلة