الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

حَبْكُ القَصَائِد تأليف

٢٦ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ١٧ ديسمبر ٢٠٢٥
المقالاتالمنهج والدعوة السلفيةعلوم الحديثاللغة والأدبالرقائق والآداب
حَبْكُ القَصَائِد:

تأليف
أبي العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري
عفا الله عنه

أولاً: القصيدة الغزلية الرائعة الشيقة في ألقاب علوم الحديث: (غرامي صحيح):

هذه القصيدة بحقٍّ درَّةٌ مصونة، وتحفةٌ مكنونة، اجتمع فيها شرف العلم مع بهاء البيان، والتقى فيها صدق القصد مع حسن الصياغة والإتقان. فهي ليست نظمًا يُتغنَّى به فحسب، بل علمٌ يُحفظ، ومنهجٌ يُتلقَّى، وزادٌ يُنتفع به في مسالك الفهم والتحصيل.

جاءت جزلةَ المباني، راسخةَ المعاني، قد احتوت على جل أصول علوم الحديث، وأحكمت قواعده، وقرَّبت شوارده، في أسلوبٍ شعريٍّ رائق، ونَفَسٍ أدبيٍّ سامق، يُحبِّب العلم إلى النفوس، ويقرِّبه من القلوب، ويُيسِّره على طلابه – لله درُّ صاحبها ما أصدق قصده، وأجزل رفده –.

وقد تجلَّت براعة الناظم حين صاغ المصطلحات العلمية الجامدة، والألقاب الاصطلاحية الصارمة، في قوالب شعرية عذبة، وفواصل منسجمة، لا تُخلُّ بالتحقيق، ولا تُضعف التدقيق، بل تزيد المعنى وضوحًا، وتكسوه جمالًا ورسوخًا.

ولذلك لم تَخفَ منزلتُها على أهل العلم، ولا ضاعت قيمتُها بين أهل الفهم؛ فاعتنى بها أئمةٌ نُقَّاد، وأعلامٌ أَثبات، في المشرق والمغرب، كابن عبد الهادي، وابن جماعة، والسفاريني وغيرهم، إذ رأوا فيها علمًا محرَّرًا، وأدبًا مصفَّى، ونظمًا يخدم المنهج، ويعضد المقصد.

فهي قصيدةٌ تشهد لصاحبها بإخلاص السريرة، وجودة البصيرة، وسلامة المنهج، وحسن المسلك، وتبقى شاهدَ عدلٍ على أن العلم إذا لُبس ثوب البيان، وسُقي بماء الإحسان، ازداد قبولًا، وخلد أثرًا، ونفع أجيالًا بعد أجيال.

يقول: شهاب الدين أحمد بن فرج الأشبيلي المتوفى سنة (699 هـ) رحمه الله:

غَرَامِي صَحِيحٌ وَالرَّجَا فِيكَ مُعْضَلُ وَحُزْنِي وَدَمْعِي مُرْسَلٌ وَمُسَلْسَلُ
وَصَبْرِيَ عَنْكُمْ يَشْهَــدُ الْعَقْلُ أَنَّهُ ضَعِيــفٌ وَمَتْرُوكٌ وَذُلِّيَ أَجْمَــلُ
وَلاَ حَسَنٌ إِلاَّ سَمَـــاعُ حَدِيثِكُمْ مُشَــــافَهَةً يُمْلَى عَلَىَّ فَأَنْقُــلُ
وَاَمْرِيَ مَـــوْقُوفٌ عَلَيْكَ وَلَيْسَ لِي عَلَى أَحَــدٍ إِلاَّ عَلَيْكَ الْمُعَــوَّلُ
وَلَوْ كَانَ مَـــرْفُوعًا إِلَيْكَ لَكُنْتَ لِي عَلَى رَغْــمِ عُذَّالِي تَرِقُّ وَتَعْـدِلُ
وَعَذْلُ عَذُولِي مُنْـــكَرٌ لا أُسِيغُهُ وَزُورٌ وَتَدْلِيسٌ يُرَدُّ وَيُهْمَـــلُ
أُقَضِّي زَمَانِي فِيكَ مُتَّصِـلَ الأَسى وَمُنْقَطِعًا عَمَّـــا بِهِ أَتَوَصَّــلُ
وَهَا أَنَا فِي أَكْفَانِ هَــجْرِكَ مُدْرَجٌ تُكَلِّفُنِي مَا لا أُطِيقُ فَأَحْمِــلُ
وَأَجْرَيْتُ دَمْعِي فَوْقَ خَدِّي مُدَبَّجًا وَمَا هِيَ إلا مُهْجَــتِي تَتَحَـلَّلُ
فَمُتَّفِقٌ جِسْمِي وَسُهْــدِي وَعَبْرَتِي وَمُفْتَرِقٌ صَبْرِي وَقَلْبِي الْمُبَلْبَلُ
وَمُؤْتَلِفٌ وَجْدِي وَشَجْوِي وَلَوْعَتِي وَمُخْتَلِفٌ حَظِّي وَمَا مِنْكَ آمُلُ
خُذِ الْوَجْدَ مِنِّي مُسْنَـدًا وَمُعَنْعَنًا فَغَيْرِي بِمَوْضُوعٍ الْهَوَى يَتَحَلَّلُ
وَذِي نُبَذٌ مِنْ مُبْهَم الْحُبِّ فَاعْتَبِرْ وَغَامِضُهُ إنْ رُمْتَ شَرْحًا أَطَوِّلُ
عَزِيزٌ بِكُمْ صَبٌّ ذَلِيلٌ لِعِزِّكُمْ وَمَشْهُورُ أَوْصَافِ الْمُحِبِّ التَّذَلُّلُ
غَرِيبٌ يُقَاسِي الْبُعْدَ عَنْكَ وَمَا لَهُ وَحَقِّكَ عَنْ دَارِ الْقِلَى مُتَحَــوَّلُ
فَرِفْقًا بِمَقْطُوعِ الْوَسَائِلِ مَــــا لَهُ إِلَيْكَ سَبِيلٌ لا وَلا عَنْكَ مَعْدِلُ
فَلا زِلْتَ فِي عِزٍّ مَنِيعٍ وَرِفْـــــعَةٍ وَلا زِلْتَ تَعْــلُو بِالتَّجَنِّي فَأَنْزِلُ
أُوَرِّي بِسُعْدَى وَالــرَّبَابِ وَزَيْنَبٍ وَأَنْتَ الَّذِي تُعْـنَى وَأَنْتَ الْمُؤَمَّلُ
فَخُذْ أَوَّلاً مِنْ آخِــــــرٍ ثُمَّ أَوَّلاً مِنْ النِّصْفِ مِنْهُ فَهْوَ فِيهِ مُكَمَّلُ
أَبَرُّ إِذَا أَقْسَـــمْتُ أَنِّي بِحُبِّهِ أَهِيمُ وَقَلْبِي بِالصَّبَــــابَةِ مُشْـــــعَلُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشرح:
قوله: غَرامِي (صَحيحٌ) والرَّجَا فيك (مُعْضَلُ) … وحُزني ودَمْعي (مُرْسَلٌ) و (مُسَلْسَلُ)
الحديث الصَّحِيحُ لذاته هو: الحَدِيثُ المتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلي منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
شروطه خمسة:
1- اتصال السند = وهو: أن يسمع كل راوٍ من شيخه إلى منتهاه.
2- عدالة الرواة = تُعرف عدالة الراوي الظاهرة: 1- إذا روى عنه ثقتان؛ هذا هو الأصل. 2- أو برواية ثقة واحد، بشرط أن يكون من العلماء النُقّاد.

وتثبت العدالة بعدة أمور:
1- أن ينص أحد علماء الجرح والتعديل عليها كما في كتب الجرح والتعديل.
2- بالاستفاضة والشهرة، مثل مالك بن أنس والسفيانين والزهري والأوزاعي والليث وغيرهم.
3- التصحيح والتحسين، فإذا لم أقف على جرح أو تعديل لراوٍ وأخرج له البخاري أو مسلم فهو توثيق لهذا الراوي إذ اشترطا الصحة، إلا أن يكون في الشواهد فيتحرى.
4- من قال أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإن روى عن رجلٍ يكون هذا توثيقاً له ، كما ذكروا عن عبدالرحمن بن مهدي أنه لا يروي إلا عن ثقة ، وكذلك عن مالك ، و عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، وعن البخاري ، وعن يحيى بن سعيد القطان ، وعن أحمد بن حنبل وغيرهم.

3- ضبط الرواة = هو: الإتقان، والتثبت، وينقسم إلى قسمين:
1- ضبط صدر. 2- وضبط كتاب.
وضبط الصدر هو: أن يُثْبت الراوي ما سمعه، بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.
وضبط الكتاب هو: أن يصون الراوي كتابه من العبث (كورَّاق السوء) والإتلاف (كالاحتراق).
4- السلامة من الشذوذ = هو: مخالفة مقبول الرواية (الثقة والصدوق) لمن هو أرجح منه.
5- السلامة من العلة = هي: سبب خفي غامض يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه.
قلت: وتتفاوت رتبة الصحيح تفاوتًا بيِّنًا بحسب تحقق هذه الشروط واجتماعها؛ فكلما كملت شروط القبول قوي الإسناد وارتفعت درجته، لذلك قالوا: أصح الأسانيد رِوايةُ مالك، عن نافع، عن ابن عُمرَ.، وتسمى سلسلة الذهب.
وفيه: الصحيح بمجموع طرقه: هو الحسن لذاته إذا رُويَ من طريق آخر مِثْلُهُ أو أقوى منه. وسُميَ صحيحاً لغيره لأن الصحة لم تأت من ذات السند، وإنما جاءت من انضمام غيره له.
وفيه: الصحيح لغيره: هو: الحديث الضعيف ضعفاً يسيراً وجاء من طريق أخرى صحيحة فيصح لها.
وفيه: الصحيح لشواهده: هو: الحديث الضعيف ضعفاً يسيراً وجاءت له شواهد أخرى من أحاديث صحيحه بنفس اللفظ والمعنى أو بالمعنى فقط.

يتبع.... إن شاء الله

مواد ذات صلة