الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

رعونة الأقزام وتلجلجُ الأمثال

٨ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥
المقالاتالمنهج والدعوة السلفية
مقال: (رعونة الأقزام وتلجلجُ الأمثال)

الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، والصلاة والسلام على خير البرية، محمدٍ بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فبادئ ذي بدء: أقسمُ بالذي برأ النسمة، وفلق الحبة، وأجرى المقادير بحكمته، أنّي ما زلتُ أتردَّد مرارًا في أن أرفع قلمي ردًّا على هذا الأرعن؛ بل والله، وبالله، وتالله، لقد خططتُ غيرَ خمس مرات ردودًا ثم مزَّقتها، وأطبقتُ على الجُرح صبرًا، وألجمتُ نفسي كظمًا، أدرأ بها حمقه، وأحتمل بها رعونته… ولكنَّ الله قد شاء ما شاء، وما كان لقدرٍ نافذ أن يُدفع، ولا لحقٍّ أن يُخنق، ولربما تتوالى الردود من باب دفع الصائل الهزيل.

فلقد رأيت في هذه الأيام أقلامًا ظن أصحابها أن الغلظة حجة، وأن الصخب علم، وأن رمي الكلام على عواهنه يغني عن البرهان. فإذا كتب أحدهم، كان كلامه ضجيجًا بلا علم، وصخبًا بلا فهم، وتكلُّفًا بلا تحرير، وإمعانا في التُّهم، مع ضعف المنهج وقلة البضاعة = قريب من المثل: (تسمَعُ جعجعةً ‌ولا ‌ترى ‌طِحْنًا) وما كان هكذا خُلُق أهل الحق، ولا هكذا سمت أهل السُّنَّة، ولا هكذا تكون الغيرة على الدين.

ومن أعجب ما رأيت من ذاك (الأرعن) حين يلوِّح بمثلٍ كـ (عنزة ولو طارت)، وهو أبعد الناس عن فقه الأمثال! يركبه في غير موضعه، وينفخ فيه نفخًا كمن وجد كنزًا، وما علم أنه بذلك قد فضح نفسه قبل أن يرد على غيره. ولو شاء أحد أن يقرعه بِمَثَلٍ لساق إليه أمثالًا تُدمي قلبه، وتُسقط قناعه، فالمثل سهل على كل لسان، يحسنُ تنزيل أرذله من رقَّ دينه، وضعفت حجته؛ وإنما الميدان الذي تُعرف فيه مقادير الرجال هو ميدان الدليل والبرهان، وهناك يسقط المتعالم، ويخفت المتصدر، ويظهر الفرق بين من يكتب بالهوى ومن يكتب بعلم ورسوخ.

وما يزيد العجب من هذا الأرعن أنه يتصيد الأخطاء تصيدًا؛ يقلب صفحاتٍ قديمة، وينفخ في مسائل مهجورة، ويستخرج عباراتٍ مرَّ عليها الزمن، لم ير فيها بأسًا يوم وقعت، ولم يعرف لها حكمًا يوم ظهرت، فإذا احتاج اليوم لمعركةٍ جديدة أو صوتٍ يرفعه من غفلة الناس، جعلها من كبائر الزلات، ووجب عنده نشرها، والتحذير، والإنذار الشديد!، قال الله جل ذكره: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَاّ تَعْدِلُوا ‌اعْدِلُوا ‌هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) [المائدة: 8]

ويا لله العجب…
أيكون الشيء حلالًا بالأمس، ثم يصير فجأةً حرامًا اليوم حين احتاجه للمعركة؟
أليس هذا دأب الحدادية الذين لا يعرفون ميزانًا ثابتًا، ولا قاعدةً مستقرة، يُجرِّمون اليوم ما كانوا يسكتون عنه أمس، ويحذِّرون ممَّا كانوا يقرُّونه، لا لشيء إلا لأن هوى النفس تغيَّر، والخصومة احتدمت؟
إن هذا المنهج - منهج التصيُّد، والتلوُّن، وإحياء الزلات عند الحاجة، وإساءة استعمال الأمثال، وتبديل الموازين هو عين منهج الحدادية والأخس منهم.

ولو عرف ذاك الأبعد قدر نفسه، ما جاوز طوره، ولا نازل من هو فوقه، ولا تكلف ما لا يحسن. ولكنها الرعونة والنفوس التي غلبها العجب والكبر والتعالي، وإن نظر الناظر المنصف في صنيعه رآه أبعد الناس عن أدب العلم، وأبعد عن رصانة أهله.
ثم يأتي – هذا الأرعن - بالمهزلة الكبرى حين يشبه اختراق (مجموعات الواتس آب المغلقة) ومعرفة ما يحاك فيها ضد إخوانه السلفيين ويشبهها بتهمة الأخس من الحدادية بـ (المجالس السرية)، فلو اتسق منطقه، وامتثل العدل الذي أمر الله به، لكان أوَّلَ من تُعلَّق به هذه التهمة هو نفسُه قبل غيره؛ فهو يعقد دروسه ولقاءاته و(مجالسه) في شقةٍ مغلقة مع طلابٍ أجانب، مخالِفًا أمرَ وليِّ الأمر الذي نهى وشدَّد على المنع، ثم يخرج علينا مزهوًّا بإنكار ما يرتكبه هو بيده، وما يباشره ليله ونهاره!
فأيُّ عقلٍ هذا؟ وأيُّ صدقٍ بقي؟! بل أيُّ جرأةٍ على الله وعلى الناس أشد من أن يَصنع الشيءَ ويُجرِّمُه في غيره؟!

إن هذا التناقض ليس زلَّة لسان، ولا خطأً عابرًا؛ بل هو علامةُ خللٍ راسخٍ في المنهج، وسفَهٌ مُتمكن، لا يعتذر عنه صاحبه إلا بمزيدٍ من الانكشاف. ومن ابتُلِي بهذا العِيِّ والاضطراب، فليستْ له أهليَّة النقدِ لأحد، وهو غارقٌ في أسوأ مما عاب.
وإن كنتُ أصفك بالأرعن، فما هو افتراءٌ مني ولا تحامل، بل هو نعتٌ نطق به فعلك قبل أن تكتبه يدي. وهو – والله - أخفُّ مما قاله لي غيرُ واحدٍ من المشايخ الفضلاء، الذين يرون أنك مسحوبٌ بالدراهم، مَسُوقٌ بالريالات، مُقادٌ بدولارات الطلبة الأجانب؛ لا تُحركك همومُ المنهج ولا نوازلُ الدعوة، وإنما تحركك أرقام التحويلات و عددُ الحضور و دفاترُ الاشتراكات = وإن شئتَ فقل بجواز الجمع بين ثلاثتهم!!، وما دمت مغرماً بالأمثال فكن على ذُكْرٍ من قول العوام: (‌يا ‌غريب كن أديب!).

فاللهم ثبتنا على الحق، ووفِّقنا لصون السنة، وارزقنا الصبر على هذه الغوغائية وعلى هذا (الدَّخَن!) وممن يقتفي أثره، واجعلنا من الثابتين على نهج السلف الصالحين، وأعن أخي فضيلة الشيخ أبا عليٍّ على هذا البلاء، وارفع درجته في الدنيا والآخرة، وأربط على قلبه واهدنا وإياه ومن نحب فيك إلى ما تحب يا ربنا وترضى.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي – عفا الله عنه –
الإسكندرية حرسها الله وسائر بلاد المسلمين
السبت: 8 / جمادى الآخر / 1447 هـ.

مواد ذات صلة