الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

الطعن المبطَّن… سلاح الضعفاء في تمزيق الصف السلفي

٢٦ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ١٧ نوفمبر ٢٠٢٥
المقالاتالمنهج والدعوة السلفيةالرقائق والآداب
مقال: (الطعن المبطَّن… سلاح الضعفاء في تمزيق الصف السلفي)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإنَّ من أخطر أبواب الفتنة في هذا الزمان: الطعن المبطَّن الذي يُغلَّف بصيغ التمريض والمواربة، ويُقذَف في ثنايا الكلمات قذفًا خفيًّا، يتعمده بعض المتعالمين والمتلاعبين ليستهدفوا به السلفيين وهم في مأمن، دون أن يواجهوا صراحةً أو يحتكموا إلى علمٍ أو دليل.
فهؤلاء قومٌ ما ألفوا المصارحة، ولا عرفوا جادَّة أهل العلم في البيان، فآثروا التلويح على التصريح، والغمز على المواجهة، والتعريض على المكاشفة. يختبئون خلف سُتورٍ رقيقة من التورية والالتواء، ويُرسلون سهامهم في لحن القول، مستترين بظلال الألفاظ، متترسين بحجابٍ من التمريض لا يرفعه إلا ذو بصيرة.

يطلقون كلماتٍ مسمومةً مغلَّفةً بغلاف النصح، يحرِّكون بها الشكوك، ويستدرجون بها الطلاب إلى دائرة الريبة، فيقولون: (كشفنا باطلهم ... صراخهم على قدر الألم ... هؤلاء الكذابون معروفون ... بعض الأغمار ... جماعة الوضوح ... أصحاب الردود الهزيلة… ويُتبعونها بنبرةٍ مزهوَّةٍ وكلمةٍ مكذوبة: ما سَمَّيْنَا أحداً!

إنها عباراتٌ مصنوعة في معامل الفتنة؛ ظاهرها التحذير، وباطنها التحريض؛ تُلقيها ألسنةٌ اعتادت المراوغة، وتُرددها نفوسٌ عَلِمت أن التصريح يُعرِّيها، وأن الواضح يُقيم عليها الحجة، فلم تجد بُدًّا من السير في الظلام، تُسقط القول على من شاءت، وتنجو من تبعة المواجهة.

وهم بذلك يَصوغون كلامًا يجرح ولا يصرِّح، كلاماً يوقع في النفوس اضطرابًا، ويبعث في القلوب قلقًا، ويجعل كلَّ سامعٍ يتلفَّت: أهو يقصدني؟ أم يقصد أقراني؟ أم يقصد شيخي؟ أم يريد عالمًا بعينه؟
فإذا تحركت الحميَّة، واشتعلت النفوس، وسقط بعض الإخوة في الاستدراج، نفروا بما أرادوا من فتنة، وحملوا الردود التي استجلبوها إلى أحد العلماء، ليظهروا بمظهر المظلوم الوديع، وقد كانوا هم المفسدين أولَ الأمر وآخره.
وليس مقصدُ هؤلاء - في الغالب - طلبَ الحق، ولا ابتغاءَ نصرة المنهج، ولا قصدَ الإصلاح، وإنما مُنتهى إرادتهم أن يُستفزَّ السلفيون، وأن تُحرَّك السواكن في صدورهم، فإذا اهتزَّت النفوس، واندفع بعض الإخوة بدافع الغيرة، فخرجت ردودٌ حادَّةٌ غير محرَّرة، تلقَّفوها تلقُّف الظامئ للفرصة، وسارعوا بها إلى مَن يتوسَّمون فيه القَدْرَ والمكانة من أهل العلم، ليظهروا في مجلسه بمظهر المظلوم الصبور، ويُظهروا السلفيين في صورة المتشنِّجين المتعجِّلين.

وهناك يرفعون عقيرتهم بالبكاء على مظلمتهم المزعومة، ويُزيِّنون للشيخ صورةَ الصراع كما يحلو لهم، فينجحون - بتلك الحيلة الدنيئة - في تحقيق بغيتهم القبيحة: (ليس في الكون إلا أنا) وتشويهٍ للدعوة، وتمزيقِ للصف، وإحداثِ لصدعٍ وانشطارٍ جديدٍ بين السلفيين – وإنا لله وإنا إليه راجعون - وما علموا أنهم إنما يُسعِّرون نارًا لا تبقي ولا تذر، وأنهم أول من سيكتوي بلهيبها.
وهي - ولا ريب - لعبةٌ خبيثةٌ قديمةُ الجذور، عرفها العلماءُ الراسخون، وكشفوا سترها، ونبَّهوا على مكر أصحابها، وحذَّروا من تمكين أهل الأهواء من افتعال الخصومات، وإشعال النزاعات، وإدارة الصراعات من وراء ستار؛ فإنهم لما عجزوا عن المواجهة في ميادين العلم، عمدوا إلى دهاليز الفتن، وتحت ظلال التمويه، يَسْعَون لإحداث الشرخ وتمزيق الجمع.

وقد كان منهج أئمتنا - رحمهم الله - أنصعَ من الشمس في رائعة النهار: ردٌّ مؤسَّس على علمٍ راسخٍ لا تزعزعه العواصف، وأدبٌ جمٌّ تخشع له القلوب، وانضباطٌ شرعيٌّ يزن الكلمة بميزان الورع، مع قوةٍ في الحجة تشهد لها البراهين، وصفاءٍ في العبارة لا يداخله التواء، وتركٍ للفظاظة والحدَّة ما لم يقتضِه واجبُ البيان وموجبُ الشرع.

ولقد عشنا - ولله الحمد - أزهى العصور مع فطاحل أهل العلم، ننهل من معينهم، ونشهد سموَّ خُلُقهم، ونستمتع بردود بعضهم على بعض؛ لما حوت من علومٍ راسخة، ومعاركَ بحثيةٍ دقيقة، لا تكاد تجد مثلها إلا في زوايا الكتب وأمهات المصنفات. ورأينا - بأم أعيننا - من أدبهم الجم، وتواضعهم البالغ، وحسن ظنِّهم بإخوانهم، ما يشهد لهم بأن الخلاف عندهم لم يكن يومًا بابًا للخصومة، بل كان جسرًا إلى مزيد علمٍ ومزيد محبة. ولولا خشية الإطالة لذكرتُ شواهد كثيرة من اختلافهم، وما كان بينهم من أدبٍ وتوقير، ومودةٍ تعلو على الخلاف ولا تنقضه.
فما الواجب إذن؟
• أوَّل ذلك: الكفُّ عن الانجرار إلى الاستفزاز؛ فإن هذا هو الباب الذي يتسلل منه الماكرون، والمرتع الذي يمرح فيه الهوى، وأول ما يترقبونه كلمةٌ عجلى، أو ردٌّ متسرِّع، يقتنصون منه زلَّةً، ثم يُقيمون عليها جَلَبَتَهم، والتهمةُ لديهم حاضرةٌ معدَّة - عند من رقَّ دينه وضعف فقهه -: «يريدون إسقاط العلامة فلانًا وفلانًا…». وحسبُنا الله ونِعْمَ الوكيل.
• ثم استشارة أهل العلم والفضل والرشد قبل كل ردٍّ يَكتُبُه طلابُ علم صغار، فإن الردود العاجلة وقودُ الفتن، ونارُها الكامنة، وفرصةٌ يلتقطها المغرضون لإيقاد الفتنة وتمزيق الصفوف.
• والاقتصارُ على الحقائق، وتحريرُ مواضع النزاع، وإحكامُ العبارة، وتركُ ما كان من الفظاظة والشدَّة إلا عند الحاجة المعتبرة التي يُستكمَل بها المقصود، ولا تزيد الفتنة ولا توقد نارها.
• وكذلك إفشالُ مخططات المموِّهين الغمَّازين اللمَّازين الذين يبتغون صناعة (مظلومية) زائفة، يتخذونها ذريعةً لشقِّ الصف، واستمالة ضعاف البصائر من الطلبة، ويخفون عجزهم خلف صراخٍ مفتعل وادعاءاتٍ جوفاء، ليهيئوا لأنفسهم مجالاً خصبًا لفرض أهوائهم الفاسدة ونشر سمومها بين الناس.

• ثم التأسي بمنهج العلماء المحققين: ردٌّ يقوم على العلم والعدل، وتركُ المراء والخصام، والسكوتُ عن السفهاء الذين لا يزيدهم الجواب إلا تمادياً، وعدمُ منح أهل الباطل مادةَ الفتن التي يتعيَّشون بها، ويُثيرون منها ضجيجًا وصراعًا لا وزن له عند أهل البصائر.
وختاماً أقول: أيها الإخوة السلفيون… إنَّ صفَّكم اليوم أحوج ما يكون إلى الثبات على الأدب العلمي، والسير على الجادة التي ورثتموها عن العلماء الراسخين، وأن تجعلوا الحق معياركم، والمنهج قائدكم، والرفق سلاحكم، والحكمة قرينكم.
ولا تمنحوا أهل الغمز والتمريض ما يريدون من إشعال الفتن وإثارة النزاعات؛ فإنهم لا يعيشون إلا في أجواء الغبار، ولا ينتعشون إلا حين يثور من حولهم.

فكونوا على حذر… واضربوا بالعلم، وارتفعوا بالأدب، وتمسكوا بالحكمة، كما كان يفعل علماؤنا الراسخون. والله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي - عفا الله عنه -
الثغر السكندري – حرسه الله وسائر بلاد المسلمين –
الاثنين: 26 / جمادى الأولى / 1447 هـ.

مواد ذات صلة