الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

بين رعونةِ القلم ورفقِ العلماء

١٥ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ٦ نوفمبر ٢٠٢٥
المقالاتالمنهج والدعوة السلفية
بين رعونةِ القلم ورفقِ العلماء
(الرد على الدكتور عبد الإله الرفاعي - هداه الله -)
الحمد لله الذي جعل العلم نورًا يهدي إلى الرشد، وأمر عباده بالعدل في القول والحكم، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8].
أما بعد:
فقد اطلعنا على ما كتبه (وقاله في صوتية) الدكتور عبد الإله الرفاعي – رده الله للحق - في مقاله الموسوم بـ «التمثيل على جهل المتعصبة بالدليل»، فوجدناه بعيدًا عن سمت الردود العلمية التي عُرف بها أئمة المنهج السلفي، ومشحونًا بعباراتٍ لا تليق بمقام طالب علمٍ، فضلاً عن أن تصدر ممن يحمل لقبًا أكاديميًّا!!.
إذ رمى فيه الدكتور عبد الله خيري - حفظه الله - باتهاماتٍ باطلةٍ، زعم فيها بترَ النصوص، وهي فريةٌ ظاهرةٌ لا تثبت عند أول نظرٍ منصفٍ؛ فالنصوص باقيةٌ في سياقها، والحجج قائمةٌ في موضعها، وإنما البتر وقع في فهمه هو، حين قطع الدليل عن مقصده، والعبارة عن معناها.

ثم لم يكتفِ بتلك التهمة، بل تجاوزها إلى أن جعل الأخ الدكتور عبد الله خيري – وفقه الله - ومن ناصر الحقَّ الذي معه فرقةً متعصِّبةً، وهذه قاصمةُ الظهر، ودليلٌ على ما وقر في النفس من رعونةٍ وطيشٍ، فإنَّ الرعونة – كما قال أهل اللغة – هي الحمق مع التسرع، وصاحبها لا يعرف مواضع الكلمة، ولا يقيم وزنًا للإنصاف، يتهم قبل أن يتثبت، ويحكم قبل أن يتبيَّن.

ولو نظر الدكتور عبد الإله في المقصد الشرعي من الردود، لعلم أنها نُصرة للحق لا للذات، وهداية للمخطئ لا انتقام منه. لكنَّه كتب بقلمٍ مشحونٍ بالخصومة لا بالرحمة، وبلسانٍ تغلب عليه الغضبة لا الحكمة. فخرج رده صدىً لانفعالٍ، لا ثمرةً لعلمٍ.

إنَّ الردَّ السلفي الذي ورثناه عن الأكابر لا تُبنى دعائمه على المغالبة، ولا على الانتقام، وإنما على الدليل الجلي ممزوجاً بالنصح والعدل والإنصاف. وما رأينا مشايخنا الكبار – كالعلامة ربيع المدخلي، وعبيد الجابري، وأحمد النجمي وغيرهم رحمهم الله – إلا وقد قرنوا العلم بالرفق، والحزم بالحكمة، حتى في أشدِّ الفتن. كانوا إذا خاطبوا الشباب قالوا: يا أبنائي، يا إخواني، يا شباب الأمَّة!، يفتحون القلوب قبل العقول، ويعالجون الخطأ بلا غِلظة ولا تجريح.

وقد شهدنا – إبَّان فتنة ابن هادي عامله الله بعدله – كيف طعن رأس الحدادية في المشايخ والطلاب، ومنهم العلامة الدكتور عبد الله البخاري والدكتور عرفات المحمدي والدكتور عبد الله الظفيري وغيرهم، فقلنا وقلتم يومها: إنما يقصد العلامة الإمام ربيع بن هادي – رحمه الله – .
فيا للعجب! ما بال الدكتور عبد الإله الرفاعي – هداه الله – يسلك اليوم ذات المسلك الذي كنا نُنكره بالأمس؟! كيف طاب له أن يطعن في طلاب الشيخ نزار بن هاشم – حفظه الله – وفي مقدمتهم الدكتور عبد الله خيري – سدده الله – وهو من خيرة طلابه، وطلاب الشيخ كثر – ولله الحمد – وقد عُرفوا بالعلم والتواضع والنزاهة؟
أليس هذا التناقض الصارخ من سمات الرعونة التي تطمس نور الفهم وتفسد ميزان العدل؟!
بل أليس المقصود في حقيقة الأمر هو الشيخ نزار بن هاشم – العالم الوقور، السلفي الغيور – حفظه الله ورعاه؟! أم أنَّ الميزان عند الدكتور عبد الإله لا يعتدل إلا إذا مال إلى كفَّته هو؟!
إننا لا نحمل على الدكتور عبد الإله حقدًا ولا نبادله تجريحًا، ولكننا نردُّ قوله بميزان الشرع والإنصاف، كما تعلَّمنا من مشايخنا. فالحق لا يُنصر بالغضب، والعلم لا يُثبت بالصياح، ومن طلب وجه الله في ردِّه ألان الله له القلوب ووفق وسُدد، ومن طلب نصرة نفسه خُذل ووضع وبغضه الناس.
فما كتبه الدكتور عبد الإله الرفاعي لا يُعدُّ ردًّا علميًّا يُوزن بميزان المنهج، بل هو أثرُ انفعالٍ أورث صاحبَه حدَّةً في القول، وغبشًا في الفهم، واضطرابًا في المنهج. ولو أنه تأنَّى، وقرأ بعين المنصف المتجرِّد لا بعين المتعصِّب المتحمِّس، لعلم أن الخلاف لا يُطفأ بنيران التهمة، ولا يُعالج بالتشنيع والظنون، بل بالحكمة والرفق والبيان السديد.
ولقد كنَّا نرجو من الدكتور عبد الإله – هداه الله – أن يتحلَّى بأدب طالب العلم، فيتأنَّى حتى يخرج الشيخ نزار بن هاشم – حفظه الله – بردِّه على العلامة البخاري – حفظه الله – ، ثم يعقِّب عليه بما يراه وِفْقَ المنهج العلمي الرصين، انتصارًا للحق لا للأشخاص، وللدليل لا للعصبية.
ولا يعيبُ العلامةَ البخاريَّ – حفظه الله – أن يُردَّ عليه، فالعالِمُ الحقُّ لا يأنف من النقد ولا يستكبر عن المراجعة، وما علمنا عنه إلا أنه على نهجِ شيخنا وإمامنا العلَّامة ربيع بن هادي المدخلي – رحمه الله –، الذي كان يقول كثيرًا: « كتبي هذه خذوها واقرأوها وأنا لا أقول لكم إنَّ كلَّ ما فيها صواب لابد – وأؤكد لكم أنَّ فيها أخطاءً – قال أحدهم مرة : فلان يريد أن يناقشك ؟ قلت : فليسرع قبل أن أموت يبين أخطائي ... » اهـ.، لسان حاله ومقاله يقول: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ مَنْ رَفَعَ إِلَيَّ عُيُوبِي» .
فهذا هو منهج العلماء الكبار، لا يضيقون بالردود ولا يجزعون من النقد، لأن قصدهم الحق لا الغلبة، والإصلاح لا الانتصار للنفس.
لكنها – للأسف – رعونة العجلة التي تُغري صاحبها بالتسرع قبل التثبُّت، فتُفسد ميزان النظر، وتُخرجه عن سمت أهل العلم والإنصاف. ونحن – والله – لا نحب له ذلك، فهو من إخواننا أو أبنائنا، نرجو له الرشد والسداد.
ونصيحتي له – برفقٍ وأدبٍ – أن يعود إلى جادة العلم، ويطهِّر قلبه من نزغات الهوى، وأن يعلم أن طريق السلف مبناه على العدل والإنصاف، لا على الغلوِّ والانتصار للنفس. فمن صدق مع الله أصلحه، ومن التمس رضاه هداه إلى سواء السبيل، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النور: 46].والله أعلم، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.
كتبه: بلال بن عبد الغني السالمي - عفا الله عنه -، نُصرةً للحق، ودفاعًا عن الأدب العلمي، وسيرًا على منهج السلف في البيان والإنصاف.
الثغر السكندري – حرسه الله –
15 / جمادى الأولى / 1447 هـ.

مواد ذات صلة