الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

مسائل منهجية مهمة معالم وضوابط وصفات المرجعيَّة العلميَّة

٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ٢١ أكتوبر ٢٠٢٥
المقالاتالمنهج والدعوة السلفيةالرقائق والآداب
مسائل منهجية مهمة:


(معالم وضوابط وصفات المرجعيَّة العلميَّة)

الحمد لله الذي أقام للحق منارات، وجعل للهدى رجالاً صادقين على مر الزمان، ينيرون الطريق للعامة والخاصة، ويهدون إلى سواء السبيل ويصدعون بالحق مهما اشتد الخطب أو قل النصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قد أرسله رحمة للعالمين، نورا يهدي به القلوب، ويبين به الحلال والحرام، ويعلم الناس طريق رضوان الله والجنة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجه مستضيئاً بهديه إلى يوم الدين، وبعد:

فمن أعظم نعم الله على هذه الأمة أن جعل فيها رجالاً للهدى، حاملين للعلم، ثابتين على الحق، لا تزلِّهم الأهواء، ولا تثنيهم كثرة الأعداء، ولا يفتنهم بريق سيف، ولا يخيفهم صياح خصم، يمضون صادقين صابرين، منارًا للجاهلين، دليلًا للطالبين، راشدين على منهج السلف، يُضيئون الطريق نورًا في الظلمات، ويهتدون بهدى الله وهدي رسوله – صلى الله عليه وسلم - إلى يوم الدين، ينشرون العلم، ويحيون السُّنن، ويثبِّتون القلوب على الصراط المستقيم، فتزدهر الأمة بهم، وترتفع راية الحق على أيديهم، ويبقى ذكرهم في الناس للأجيال شاهدًا على فضل الله وكرمه.

المرجعيَّةُ العلميَّةُ: مفهومها وضوابطها ومعالمها:
إن المرجعيَّة العلميَّة منزلة عُليا، لا تُنال بالانتساب ولا تُدرك بالاستخلاف، بل تُحصَّل بصدق الطلب، وصفاء المعتقد، ورسوخ القدم في نصوص الوحيين، مع خشيَّة تورث ورعاً، وعلم يثمر عملاً.
وليست المرجعية كرسياً يورث، ولا تاجًا يُتوج، ولا عهدًا يورِّثه فلان لفلان، كلا والله إنما هي ثمرة قبول ساقه الله لعبد من عباده بما معه من علم وديانة، لا بمجرد تزكية أو شهادة.

وضوابطها ومعالمها:
أولاً : العلم والعمل:
فالعالم الرَّبَّاني يُعرف بتمكنه من نصوص الكتاب والسُّنَّة، واتباعه منهج السلف الصالح، وهو الذي يبين للناس حكم الله بدليله، ويُرشد الأمة إلى الصواب عند الاختلاف، ويقودها بالعلم والورع، لا بالهوى والرأي المجرد، ويعمل بعلمه حتى يُرى أثر هذا في سَمْتِهِ ودَلِّه.
ثانياً: الالتزام بالمنهج السلفي قولاً واعتقاداً وعملاً وتطبيقاً ودعوةً وطرحاً:
فهو يعيش المنهج لا شعاراً يُرفع، بل واقعاً يُترجم، يُنزل نصوص الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، فيعتقد ما اعتقدوا، ويعمل بما عملوا، ويدعو بما دعوا إليه، لا يَحيد عن الجادَّة ولو خالفه الناس أجمعون، قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: 15]. فمنهج السلف عنده ميزانُ الحقِّ، لا يُقدَّم عليه رأيٌ، ولا يُعارضه هوى، ولا يبدِّلُه ضغطٌ أو مصلحةٌ.

ثالثاً: وضوح الطَّرح والدعوة والمواقف في حال السراء والضراء، والسلم والحرب، والفتن والنوازل:
فهو لا يُغيِّر وجْهَتَهُ بتغيُّر الأحوال، ولا يتلوَّن بتلوِّن الزمان، مواقفه راسخة كالجبل لا تميل مع الريح، يصدع بالحق إذا سكت الخلق، ويُبيُّن سبيل المؤمنين في الفتن إذا التبست المسالك، كما قال النبي ﷺ: «لا يَزالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، ‌لا ‌يَضُرُّهُمْ ‌مَنْ ‌خَذَلَهُمْ، وَلا مَنْ خالَفَهُمْ، حَتَّى يَأتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» متفق عليه واللفظ للبخاري؛ فثباته في الفتن علامة صدقه، ووضوحه في الأزمات عنوان إخلاصه.

رابعاً: وقوفه ومناصرته الظاهرة للحق وأهله، ولو كانوا قلةً أو أفراداً، قريبين منه أو بعيدين مكاناً وصلةً:
فهو لا يزنُ الرجالَ بالجاه ولا بالمال ولا بالكثرة، بل يزنهم بالحق، ينصر المظلوم، ويؤازر المصلحين، يذبُّ عن السنة وأهلها ، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يساوم في دينه على رضا الخلق، عاملاً بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135]؛ فشجاعته في الحقِّ من شُعَبِ الإيمان، وثباته عليه من دلائل الرسوخ في العلم.

خامساً: الورع والخشية:
فالخوف من الله والالتزام بحكمه في القول والعمل هما أساس العالم الرباني، الذي يزن أقواله بما يرضي الله لا بما يُرضي هواه، ويُحاذر التهاون بالمعصية، ولا يستخف بحدود الله، ولا يغتر بالمدح أو التزكية، ولا يُغرية جمع الناس حوله إلا بما فيه صلاحهم.
سادساً: الثبات على الحق:
فالعالم الرباني ثابت على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، صادق في دعوته، عاقل في اجتهاده، لا يطغى عليه الحزبية، ولا يعبأ بالمناوشات والمهاترات، ولا يستخف بشرع الله، ويثبت في الملمات ويصبر على أذى المخالفين، ويُعضد الحق بالبرهان والدليل المبين لا بالتهويل والرأي المشين.

سابعاً: الإنصاف والعدل:
ينصف من نفسه قبل خصمه، ويراعي الحق في أقواله وأفعاله، فلا ينجرف وراء مصالح شخصية، ولا يختلق الأعذار ليظلم أحدًا، بل يحكم بالشرع مطلقاً، مسترشداً بالعدل الذي أمر الله به: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام: ١٥٢]. ويُقدِّم الحقَّ على أي غرض دنيوي، ولا يعجل في الحكم على الناس، ولا يُظلم من أخطأ عن غير قصد، ويضع نصب عينيه مقاصد الشرع، ليكون بذلك نموذجاً للعدل والإنصاف الذي يرفع المظالم عن المظلومين ويقوي دعائم الحق في المجتمع.

ثامناً: التواضع للمسلمين عامةً، والسلفيين خاصةً، والبشاشة في وجوههم، وفتح القلب والأبواب لهم:
فهو الأب الرحيم، والأخ الناصح، يأنس به طلابُ العلم أنسَ القلبِ بالسكينة، ويجدون في قربه راحةً وطمأنينة، يفرَحُ بزيارتهم، ويُكرم وفادتهم، ويسعى إلى جمع كلمتهم باللين والحزم، وبالرحمة والعدل، ويسعى لإصلاح ذات بينهم، ويعالج اختلافهم كطبيبٍ مشفقٍ، لا بمنفِّرٍ ولا متكبِّرٍ ولا غليظٍ، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، فالرفق واللين والتواضع شعاره وزينته، والبشاشة جسر القلوب إليه، والرحمة عنوانُ الدلالة عليه.

تاسعاً: القدوة الحسنة والسيرة العملية:
العالمُ الرَّبَّاني منارةُ هُدى، تضيءُ القلوبَ قبل الطَّريق، بل نورًا يُهتدى به، ترى في سمتهِ سكينةَ الإيمان، وفي حركتهِ خشيةَ الرحمن، تفيض أخلاقُه بالسكينة، وتنبعث من سلوكه المهابةُ والوقار؛ يرى الناسُ في هيئتِه أثرَ علمه، وفي منطقه صدقَ إيمانه، وفي تواضعه سموَّ منزلته؛ يُعلِّم الخلقَ بسيرته قبل عبارته، وبأدبه قبل وعظه، فإذا جالسته خشيتَ الله، وإذا رأيتَه ذكَّرك حالُه بالآخرة.
غايةُ همِّه أن يُرضي ربَّه، لا أن يُرضي الخلق، وأن يرى في الناس ثمارَ علمه صلاحًا وهداية، وفي المجتمع أثرَ دعوته إيمانًا واستقامةً. فهو في زمانه آيةٌ من آيات الصدق، وفي سيرته برهانٌ على أن العلمَ حياةُ القلوب، وأن القدوةَ الصالحة أبلغُ من ألفِ محاضرة وموعظةٍ.

عاشراً: استقلالية الرأي عن الأهواء:
العالِمُ الرَّبَّانيُّ لا تُقَيِّده الأهواء، ولا تُميله المدائحُ ، ولا تثنيه عن الحق المثالب، علمُه لله، وقولُه لله، وولاؤه للحقِّ لا للأشخاص، ولا يُسَخِّرُ ما آتاه الله من فقهٍ وبصيرةٍ في خِدمةِ حزبٍ أو عصبةٍ أو انتصارٍ لنفسٍ أو طائفةٍ، بل يزنُ الأمورَ بميزانِ الشرع، ويجتهدُ بما أدَّاه إليه الدليل، لا يخشى في الله لومةَ لائم، ولا يبيع دينه بعَرَضٍ زائلٍ من الدنيا.
يُنزِلُ الناسَ منازلهم، ويُنصف المخالف، ويترفع عن الخصومات العقيمة، لا يُغريه المنصبُ ولا يُفتنه الجاه، بل همُّه نُصرةُ الدين، وصلاحُ الأمة، وهدايةُ الخلق إلى سواء السبيل؛ ويُفتي بعلمٍ، ويقول بعدلٍ، ويصمت بحكمةٍ، فيكون لسانُه صدقاً، ورأيُه ميزاناً، وسلوكُه برهاناً على إخلاصه واستقامته.
تلك عشرةٌ كاملة، بها يُعرفُ معالمُ الرسوخِ في زمن الاضطراب، وعناوينُ الثباتِ في مواطنِ الفتن، لا ينهض بها إلا من صفا قلبُه، واستقام علمُه، وصَدَقَت نيتُه = فإذا اجتمعت في عالمٍ، أظلَّ الله به الأمةَ برحمته، وجعل قوله سداداً، وحكمه رشاداً، ومواقفه نبراساً للهدى والحق المبين.

السبيل لمعرفة عدالة الراوي:
1- الشهرة والاستفاضة:
من ثبت اسمه بين أهل العلم، وبرز بعلمه وفقهه، وصار معتمداً عليه، وصار مأمونًا للناس في النقل والأخذ عنه، كالأئمة الأعلام كأبي حنيفة ومالك الشافعي وأحمد والليث والأوزاعي وغيرهم، وقد بوَّبَ الخطيب البغدادي رحمه الله لذلك بقوله: «بَابُ المُحَدِّثِ المَشْهُورِ بِالعَدَالَةِ وَالثَّقَةِ وَالْأَمَانَةِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَزْكِيَةِ المُعَدِّلِ». وذكر أمثلة من أئمة الحديث المشهورين بالعلم، ثمَّ قَالَ: « وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَاسْتِقَامَةِ الْأَمْرِ وَالاشْتِهَارِ بِالصِّدْقِ وَالبَصِيرَةِ وَالفَهْمِ، لَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ مَنْ كَانَ فِي عِدَادِ المَجْهُولِينَ أَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ». انتهى من كتابه (الكفاية) [ص: ۸۱] I

2- بتتبع مروياته:
قال الخطيب البغدادي رحمه الله: «الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ العَدْلِ المَعْلُومِ عَدَالَتُهُ مَعَ إِسْلَامِهِ وَحُصُولِ أَمَانَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ وَاسْتِقَامَةِ طَرَائِقِهِ، لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا إِلَّا بِاخْتِبَارِ الْأَحْوَالِ وَتَتَبُّع الأَفْعَالِ التِي يَحْصُلُ مَعَهَا العِلْمُ مِنْ نَاحِيَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِالعَدَالَةِ» انتهى من كتابه (الكفاية) [ص: ٨٠]

3- شهادة العلماء الربانيين (التزكية):
العلماء المعروفون بالورع والتقوى فهم ميزان التزكية، قال ابن الصلاح رحمه الله في (المقدمة) [١٠٤/١]:«عَدَالَةُ الرَّاوِي تَارَةً تَثْبُتُ بِتَنْصِيصِ مُعَدِّلِينَ عَلَى عَدَالَتِهِ، وَتَارَةً تَثْبُتُ بِالاسْتِفَاضَةِ ... » انتهى.

التزكية بين حقيقتها وحدودها:
الأصل في التزكية أنها شهادة ووسيلة من وسائل التعديل كما تقدم، وليست الميزان الوحيد، فالثقة يُعرف: إما بالشهرة والاستفاضة كما هو حال أئمة الإسلام الكبار كالإمام مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، أو بتتبع العلم المنقول عن الرجل ومدى موافقته للحق، فمن وافق الصواب في أغلب أحواله قبل قوله، ومن عرف بكثرة الغلط والبدع رُدَّ، أو بشهادة العلماء الربانيين المعروفين بالعلم والورع (أي: التزكية).
ولو جعلنا التزكية شرطًا وحيدًا للتعديل أو للإحالة أو المرجعية لكان ذلك خطأ جسيماً وخروجا عن المنهج الصحيح، إذ إنَّ قانون التعديل والثقة والمرجعية أوسع وأشمل مما يُختزل في التزكية فقط؛ نعم؛ إنَّ التزكية في أصلها شهادة عالم بما ظهر له من صلاح أو علم أو استقامة على حال مخصوصة، لكنها ليست المقياس الأوحد، فهي إشارةٌ تُرْشِدُ ولا تُؤسِّس، وتُعرِّف ولا تُقدِّس؛ ميزانها العلم والعمل، وغايتها الدلالة والهداية.

ولهذا فإنها ليست صكَّ عصمةٍ يُرفع به المزكَّى فوق النَّقد والرَّد، ولا رخصةَ تصدُّرٍ مطلقة يُمَكَّنُ بها من القول بما يشاء، ولا ضمانَ ثباتٍ أبديٍّ يمنع عنه غوائل الفتن وصوارف الأهواء.
فالمزكَّى بشر، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وكم من رجلٍ زُكِّي بالأمس، ثم انتكس اليوم، نسأل الله السلامة والثبات.

إنَّ التزكية - مهما علت رُتْبَةُ قائلها - لا ترفع عن صاحبها مظنَّة الخطأ والزلل، ولا تجعل اتِّبَاعه ديناً واجبًا في ذاته، فإنما الاتباع للكتاب والسُّنَّة بفهم سلف الأمة؛ فمن وافق الدليل قُبِل، وإن خالفه تُرِك، ولو زكَّاه مَنْ زكَّاه، أو أثنى عليه ألفُ عالم.

وأي شاهد أصدق من واقعنا القريب ؟! فقد زكى العلماء بعض طلابهم، وأشادوا بما بدا لهم من استقامة وصلاح وعلم، غير أن ستار الحال ما لبث أن انكشف، فإذا ببعضهم ينتكس في دركات الأهواء، ويتخبط في دياجير الفتن، حتى غدوا على ضدِّ ما كانوا عليه أول الأمر؛ أليس في ذلك أوضح برهان على أن التزكية لا تعدو أن تكون شهادة وقتية، لا حتما سرمديا ؟!

الحذر الحذر من المرجعية الحزبية:
وممَّا سبق تقريرُه، وتفصيلُ القولِ في بيانِ حقيقته = فإنِّي أُحذِّر نفسي وإخواني من شرِّ المرجعية الحزبية، تلك التي تُلبسُ الباطلَ لِباسَ الحقِّ، وتستبدلُ الولاءَ للمنهج بالولاءِ للأشخاص، وتجعلُ معيارَ القَبولِ والرَّدِّ الانتماءَ لا الدليلَ، والموافقةَ لا الحقَّ.
إنها داءٌ خفيٌّ ينخرُ في جسد الدعوة، ومَنفذٌ للفرقةِ والفتنة، تُطفئُ أنوارَ العلم باسم الغيرة، وتُفرِّق الصف بزخرف الكلمة، وتستبدل البرهان بالشعارات، والمقاصد بالمصالح، حتى تغدو الدعوة في ظلها أسماءً تتنازع، وأشخاصًا يتزاحمون، لا منهجًا يُرفع ولا حقًّا يُتَّبع.

فالمرجعيَّةُ الحزبيةُ – وإن تزيَّت بزيِّ السُّنَّة – لا تُقيمُ عِلْمًا، ولا تُثمرُ إخلاصًا، بل تُخرِّبُ القلوبَ وإن ازدحمت مجالسها، وتُميتُ روحَ التعاونِ وإن كثُرت أسماء منظِّريها، وتغرسُ في النفوس الكِبرَ والعُجبَ باسم الغيرة على السُّنَّة والمنهج.
ومن جعل الولاءَ للأشخاص مكان الولاء للحق، فقد ضلَّ عن سواء السبيل، وبدَّل العلمَ بالرأي، والاتباعَ بالهوى، وبدَّل الاتباعَ بالادعاء.

وإنَّ من كمالِ العدلِ والإنصافِ أن نُنزِلَ العلماءَ الكبارَ منازلَهم، وفي طليعتهم العلَّامةُ الإمامُ ربيعُ بن هادي المدخليُّ – رحمه الله – الذين كانوا أنموذجًا في التواضعِ العلميِّ والإنصافِ المنهجي؛ فلم يجعلوا لأنفسهم وصايةً على الخلق، ولا ألزموا الناسَ باتباعهم في كلِّ شأنٍ مهما صغر أو كبر، بل قرَّروا أنَّ العلمَ رحمٌ بين أهله، وأنَّ في الأمَّة من العلماءِ من يُرجعُ إليهم في الفقه والعقيدة والدعوة، كلٌّ في بابه وميدانه، وكلٌّ بقدره ومقامه.
لم يكن الشيخ ربيع – وهو إمامُ السُّنَّة في عصره، وحاملُ لواءِ الجرحِ والتعديلِ في دهره – يَدعو إلى التعلُّقِ بالأشخاص، ولا يُنشئُ راياتٍ تُرفَعُ لغيرِ الحقِّ الواضحِ والبُرهانِ الساطع، وما قال يومًا: «إذا متُّ فمرجعيتُكم لفلانٍ أو فلان»، ولا كان يتعقَّبُ السلفيين في البلدان ليفرض عليهم أسماءً بعينها، بل كان يوصيهم بالأكابر ويمسِّكهم بالمنهج لا بالأشخاص، وبالحق لا بالانتماء، وبالاجتماع على السنة لا بالتعصُّب والتحزُّب تحت راية أحد.

ولما ظهرت فتنة أبي الحسن المأربي، وانطلقت الدعوات لتكوين مرجعياتٍ حزبيةٍ ضيِّقة خارج دائرة العلماء الكبار، أبانت تلك الفتنة عن مكنون الحزبيَّة حين تسلَّلت بلبوس السَّلفيَّة؛ فبدلاً من أن تكون الكلمة للكبار المشهود لهم بالرسوخ والعلم والحكمة، أرادوها أن تكون لأسماءٍ محدثةٍ وأغمارٍ متصدِّرةٍ، تُفرِّق ولا تجمِّع، وتُنازع العلماء مكانتهم، حتى أضحت المرجعية عندهم تكتُّلًا يُدار، لا عالمًا يُستشار.

ومن أبرز من خاض هذا المسلك: أبو الحسن المأربي، وعلي الحلبي، وسليم الهلالي، - وكمثال - حيث سعوا إلى جعل المكتبة السلفية في بريطانيا منطلقًا لمرجعية حزبيةٍ تابعةٍ للحلبي، تدور في فلكه وتأتمر بإشاراته.
فلما اطَّلع شيخنا الإمام ربيع المدخلي – رحمه الله – على هذه الاتجاهات، حذَّر منها أشدَّ التحذير، وعدَّها من صور الغُلوِّ والتَّكتُّل المذموم الذي يناقض روح المنهج السلفي الصافي، وقالها – ناصحًا وموجِّهًا –:

"انطلقوا إلى السلفية النَّقيَّة التي لا تعرف التحزُّب لأشخاصٍ، ولا التكتُّل على سراب الوهم وبريق زخرف القول، فإنَّ السَّلفيَّة منهجٌ ربانيٌّ يقوم على الاتباع لا على الانتماء، وعلى الدليل لا على الرجال."

وهكذا رسم الشيخُ الإمامُ ربيع – رحمه الله رحمة واسعة – معالمَ الطريقِ السويِّ، ونصح وأبانَ: أنَّ من أراد أن يجعل الدعوة دائرةً على أشخاصٍ بعينهم فقد انحرف بها عن مقصدها، وأنَّ السلفيةَ أوسعُ من أن تُحصرَ في عالمٍ أو شيخٍ أو بلدٍ أو جماعةٍ أو شخصٍ، إنَّما هي الفَهْمُ الصحيحُ للإسلام = الحقُّ المجرَّدُ الواضح البَيِّن الذي يجتمع عليه أهلُ السُّنَّة والجماعة في كل زمانٍ ومكان.

فهذا هو منهج الكبار: علمٌ وعدل، ونصحٌ للأمة، وسَعةُ صدر، وصدقُ وإخلاص في الدعوة، لا يُضيِّقون السلفيةَ في الأسماء، ولا يجعلون الحقَّ حكرًا على أحدٍ دون أحد.
هم كالينابيع العذبة: يشرب منها كلُّ صادق، وينتفع بها كلُّ مريدٍ للحق، لا يُقْصون ولا يتحزَّبون، بل يقولون كما قال الأئمة من قبل: (اعرفِ الحقَّ تعرف أهله).
فتمسَّكوا – رحمكم الله – بالمنهجِ السلفيِّ الصافي، وكونوا أوفياءَ لأصوله الثابتة، واجعلوا مرجعيتكم للكبار الراسخين الذين صدعوا بها مدوِّيةً: الكتابَ والسنةَ بفهم السلف الصالح، أولئك الذين عاشوا حياتَهم مجاهدين في بيانها، وثبتوا عليها حتى لقوا الله بها.
واحذروا – رحمكم الله – من دعوات المرجعيَّة الحزبية المقنَّعة التي ترفع شعارَ السُّنَّة وتُخفي لواءَ العصبية، وتُزيِّن الانتماءَ للأشخاص وإن رُذِلوا، وتُحكِّم الولاءَ والبراءَ في الرجال لا في الحقِّ والدليل.
وكونوا كما أراد الله منكم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وسيروا على توجيه نبيِّكم ﷺ إذ قال: «الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ».
فهكذا يعلو صوتُ الحقِّ، وتُصانُ السلفيَّةُ من شوائبِ الانحراف، وتبقى كما أرادها الله: صفاءٌ في وضوح، وثباتٌ في المنهج، وعدلٌ في الحكم، وتواضعٌ للحقِّ وأهله.
فالسلفيَّةُ الحقَّةَ هي سفينةُ النجاةِ في بحرِ الفتن، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق. هي منهجٌ يقومُ على العلمِ والعدلِ، والصدقِ والإخلاص، لا على التَّعصُّبِ للأشخاصِ ولا على التكتُّلِ للجماعات.
ومن عرفَ قَدْرَها وعاشَ لأجلها، علم أنَّ العزَّ كلَّ العزِّ في الاتباع، وأن الخذلانَ كلَّ الخذلانِ في الابتداع.
فتمسَّكوا – رحمكم الله – بحبلها المتين، وانهلوا من معينها الصافي، فإنها واللهِ ليست شعارًا يُرفع، ولا رايةً تُتَّخذ، بل هي عقيدةٌ في الصدر، وسلوكٌ في الواقع، ووسطية بين الغلوِّ والجفاء، تلك – والله – السلفيَّةُ التي نعرف.
ومن أراد رفعةَ الدعوةِ السَّلفيَّةِ فليلزم منهجَ السلفِ في العلمِ والعمل، وليجعل الولاءَ للحقِّ لا للرجال، فبذلك تحفظ الدعوةُ صفاءَها، ويُورثُ العلمُ بركتَه، وتبقى الرايةُ السلفيَّةُ خفَّاقةً ببهائها، نقيَّةً من كدرِ الأهواءِ وزخارفِ الحزبيَّات والمرجعيِّات الزائفة...
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب حامداً مصلياً:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري - عفا الله عنه -.
الثغر السكندري - حرسه الله – من الديار المصرية – حفظها الله من كل سوء وسائر بلاد المسلمين-.
ليلة الاثنين: ٧ / ربيع الآخر / ١٤٤٧هـ

مواد ذات صلة