اللهم ارحم شيخنا عليًّا الوصيفي رحمةً واسعة، واغفر له واعف عنه، وجازه عني وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. كم كنت أتمنى أن يطَّلع على…
اللهم ارحم شيخنا عليًّا الوصيفي رحمةً واسعة، واغفر له واعف عنه، وجازه عني وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. كم كنت أتمنى أن يطَّلع على هذا البحث، فقد كان من أكثر من شجَّعني عليه، بل كان دائما يزرع في نفسي الأمل، ويشحذ همَّتي بكلماته الصادقة التي كانت وقودًا للعزيمة في لحظات الفتور. فأسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته، وأن يرفع درجته في عليين.
بحث بعنوان:
(إتحاف أهل الكياسة في تحرير حديث الجساسة)
وفيه الرد على الشيخ عادل السيد المصري والشيخ مصطفى العدوي المصري.
المقدمـــــــة
الحمدُ للهِ الذي أحكمَ الشرعَ نظامًا، وأقامَ للحقِّ أعلامًا، وأنارَ للعلمِ سُبُلاً وأحكامًا، وجعلَ للسنةِ حرزًا لا يُنتهك، وللكلمةِ ميزانًا لا يختلّ، وللحجةِ سِنانًا لا يُفلّ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادةً تُنيرُ القلوبَ، وتثبّتُ الخطى، وتُعلِي الدرجات، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، المبعوثُ بالحقِّ هاديًا، والمرسلُ بالهدى داعيًا، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وأصحابِه والتابعين لهم بإحسان، حَمَلَةِ الأمانة، وحُرّاسِ الشريعة، وسَدَنَةِ السنة، الذين أقاموا للحديثِ أركانَه، وأوضحوا للطالبينَ برهانه، وصانوه عن التحريفِ والاضطراب، وحفظوه عن التجاسرِ والارتياب، فكان الصحيحانِ عندهم تاجَ الملة، وذُرى السنة، لا يجرؤ على جنابِهما إلا غافل، ولا يتعرّضُ لهما إلا جاهل، ولا يطعنُ في حديثِهما بخبث إلا من رَكِبَ متنَ الهوى، وغفلَ عن صراطِ الهدى.
أما بعد:
فإنَّ علمَ الحديثِ الشريفِ تاجُ العلومِ وذروتُها، ومفتاحُ الشرعِ وأصولُه، وميراثُ الأنبياءِ وذخائرُهم، بهِ يُعرفُ الحقُّ من الباطل، وبهِ يتميّزُ الصحيحُ من الدخيل، وبهِ يُهتدى إلى معالمِ الوحيِ المبين، ولا غِنى لطالبٍ ولا لعالمٍ عنه، ولا نجاةَ لمستدلٍّ ولا لمفتٍ بدونه.
وإنَّ من آكدِ واجباتِه صيانةُ الصحيحينِ من عبثِ العابثين، وردُّ كيدِ المتأوِّلين، الذين سوَّلت لهم أهواؤهم أن يَركبوا عُنُقَ العقولِ السقيمة، وأن يجعلوا الهوى ميزانًا، والرأي حَكمًا، والعقلَ المريضَ قاضيًا.
وقد كان الباعثُ على هذا التأليفِ كلمةً سمعتها من شيخي العلامةِ عليٍّ بن السيد الوصيفي رحمه الله تعالى، قبل رحيله بسنتين، إذ أسرَّ إليَّ أنَّ الشيخَ عادِلَ السيد المصري يضعِّفُ حديثَ الجسَّاسة، وهو في صحيح مسلم، فوقع في قلبي أن الأمرَ خطبٌ، وأن السكوتَ عجزٌ، وأن الواجبَ الذبُّ عن هذا الحديثِ الجليل، وتحريرُ أسانيده، وبيانُ رواياته، وكشفُ تأويلاته، والردُّ على من تجاسر على متنه، أو رامَ الطعنَ في سنده.
وما ذاك إلا لأن هذا الحديثَ الشريف قد صار مهوى أفئدةِ بعض العقلانيين، يردونه لمجردِ أن عقولَهم الواهيةَ لم تقبله، ويزعمون أن الصحيحَ لا يوافقُ منطقَهم القاصر، ومن هؤلاء: رشيدُ رضا، وحاكم المطيري، وغيرُهما من أدعياء "المدرسة العقلية"، الذين قدَّموا العقلَ على النقل، والهوى على الأثر، فزلَّت بهم الأقدام، وانحرفت بهم السبل، وكان لزامًا أن يُردَّ باطلُهم بالبرهان، وأن يُدحضَ قولُهم بالحجة، وأن يُبيَّنَ للناسِ أن الصحيحينِ أرفعُ شأنًا من أن ينالَ منهما متقوِّل، أو يعبثَ بهما متأوِّل.
وقد رتبتُ هذا البحثَ على مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة، ليكون أوضحَ مسلكًا، وأجلى تقسيمًا، وأقربَ إلى تناولِ الطالبِ والباحث. فجاء:
الباب الأول: الدراسة الحديثية، وفيه فصلان:
الفصل الأول: تحريرُ الروايات، ويشتمل على مباحث أربعة: ذكرُ حديث الجساسة مدار البحث، دراسةُ الروايات عن عامر الشعبي عن فاطمة بنت قيس (ما ثبت منها وما لم يثبت)، دراسةُ رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، وبيانُ درجة الحديث بين مصححٍ ومضعف.
والفصل الثاني: الردودُ على المضعفين، وفيه ثلاثةُ مباحث: الرد على محمد رشيد رضا، والرد على الدكتور حاكم المطيري، والرد على بعض المعاصرين كعادل السيد ومصطفى العدوي، مع ذكرِ وجوهِ نقدِهم وتفنيدها بالبيان.
الباب الثاني: شبهات حول حديث الجساسة، وفيه أجوبةٌ شافيةٌ عن اعتراضاتٍ أثيرت، وردودٌ ساطعةٌ على أوهامٍ نُسجت.
وبذلك يكتملُ البناءُ على أساسٍ راسخ، ويظهرُ الحقُّ في أنصعِ حلله، ويزولُ الباطلُ عن عيونِ الناظرين، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) [الرعد: 17].
واللهَ تعالى أسألُ أن يجعلَ هذا العملَ خالصًا لوجهه الكريم، صيانةً للسنة، ونصرةً للحق، ودحرًا للباطل، وأن ينفعَ به الطالبَ والباحثَ، ويجعله ذخيرةً ليومٍ تُبلى فيه السرائر، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. وصلى اللهُ على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب حامداً مصلياً:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه
الثغر السكندري – العصافرة بحري
غرة رمضان سنة 1442هـ
ثم قلبت فيه النظر في شهر ربيع الأول كاملاً لسنة 1447هـ
ينزل تباعا إن شاء الله....
بحث بعنوان:
(إتحاف أهل الكياسة في تحرير حديث الجساسة)
وفيه الرد على الشيخ عادل السيد المصري والشيخ مصطفى العدوي المصري.
المقدمـــــــة
الحمدُ للهِ الذي أحكمَ الشرعَ نظامًا، وأقامَ للحقِّ أعلامًا، وأنارَ للعلمِ سُبُلاً وأحكامًا، وجعلَ للسنةِ حرزًا لا يُنتهك، وللكلمةِ ميزانًا لا يختلّ، وللحجةِ سِنانًا لا يُفلّ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، شهادةً تُنيرُ القلوبَ، وتثبّتُ الخطى، وتُعلِي الدرجات، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، المبعوثُ بالحقِّ هاديًا، والمرسلُ بالهدى داعيًا، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وأصحابِه والتابعين لهم بإحسان، حَمَلَةِ الأمانة، وحُرّاسِ الشريعة، وسَدَنَةِ السنة، الذين أقاموا للحديثِ أركانَه، وأوضحوا للطالبينَ برهانه، وصانوه عن التحريفِ والاضطراب، وحفظوه عن التجاسرِ والارتياب، فكان الصحيحانِ عندهم تاجَ الملة، وذُرى السنة، لا يجرؤ على جنابِهما إلا غافل، ولا يتعرّضُ لهما إلا جاهل، ولا يطعنُ في حديثِهما بخبث إلا من رَكِبَ متنَ الهوى، وغفلَ عن صراطِ الهدى.
أما بعد:
فإنَّ علمَ الحديثِ الشريفِ تاجُ العلومِ وذروتُها، ومفتاحُ الشرعِ وأصولُه، وميراثُ الأنبياءِ وذخائرُهم، بهِ يُعرفُ الحقُّ من الباطل، وبهِ يتميّزُ الصحيحُ من الدخيل، وبهِ يُهتدى إلى معالمِ الوحيِ المبين، ولا غِنى لطالبٍ ولا لعالمٍ عنه، ولا نجاةَ لمستدلٍّ ولا لمفتٍ بدونه.
وإنَّ من آكدِ واجباتِه صيانةُ الصحيحينِ من عبثِ العابثين، وردُّ كيدِ المتأوِّلين، الذين سوَّلت لهم أهواؤهم أن يَركبوا عُنُقَ العقولِ السقيمة، وأن يجعلوا الهوى ميزانًا، والرأي حَكمًا، والعقلَ المريضَ قاضيًا.
وقد كان الباعثُ على هذا التأليفِ كلمةً سمعتها من شيخي العلامةِ عليٍّ بن السيد الوصيفي رحمه الله تعالى، قبل رحيله بسنتين، إذ أسرَّ إليَّ أنَّ الشيخَ عادِلَ السيد المصري يضعِّفُ حديثَ الجسَّاسة، وهو في صحيح مسلم، فوقع في قلبي أن الأمرَ خطبٌ، وأن السكوتَ عجزٌ، وأن الواجبَ الذبُّ عن هذا الحديثِ الجليل، وتحريرُ أسانيده، وبيانُ رواياته، وكشفُ تأويلاته، والردُّ على من تجاسر على متنه، أو رامَ الطعنَ في سنده.
وما ذاك إلا لأن هذا الحديثَ الشريف قد صار مهوى أفئدةِ بعض العقلانيين، يردونه لمجردِ أن عقولَهم الواهيةَ لم تقبله، ويزعمون أن الصحيحَ لا يوافقُ منطقَهم القاصر، ومن هؤلاء: رشيدُ رضا، وحاكم المطيري، وغيرُهما من أدعياء "المدرسة العقلية"، الذين قدَّموا العقلَ على النقل، والهوى على الأثر، فزلَّت بهم الأقدام، وانحرفت بهم السبل، وكان لزامًا أن يُردَّ باطلُهم بالبرهان، وأن يُدحضَ قولُهم بالحجة، وأن يُبيَّنَ للناسِ أن الصحيحينِ أرفعُ شأنًا من أن ينالَ منهما متقوِّل، أو يعبثَ بهما متأوِّل.
وقد رتبتُ هذا البحثَ على مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة، ليكون أوضحَ مسلكًا، وأجلى تقسيمًا، وأقربَ إلى تناولِ الطالبِ والباحث. فجاء:
الباب الأول: الدراسة الحديثية، وفيه فصلان:
الفصل الأول: تحريرُ الروايات، ويشتمل على مباحث أربعة: ذكرُ حديث الجساسة مدار البحث، دراسةُ الروايات عن عامر الشعبي عن فاطمة بنت قيس (ما ثبت منها وما لم يثبت)، دراسةُ رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، وبيانُ درجة الحديث بين مصححٍ ومضعف.
والفصل الثاني: الردودُ على المضعفين، وفيه ثلاثةُ مباحث: الرد على محمد رشيد رضا، والرد على الدكتور حاكم المطيري، والرد على بعض المعاصرين كعادل السيد ومصطفى العدوي، مع ذكرِ وجوهِ نقدِهم وتفنيدها بالبيان.
الباب الثاني: شبهات حول حديث الجساسة، وفيه أجوبةٌ شافيةٌ عن اعتراضاتٍ أثيرت، وردودٌ ساطعةٌ على أوهامٍ نُسجت.
وبذلك يكتملُ البناءُ على أساسٍ راسخ، ويظهرُ الحقُّ في أنصعِ حلله، ويزولُ الباطلُ عن عيونِ الناظرين، (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) [الرعد: 17].
واللهَ تعالى أسألُ أن يجعلَ هذا العملَ خالصًا لوجهه الكريم، صيانةً للسنة، ونصرةً للحق، ودحرًا للباطل، وأن ينفعَ به الطالبَ والباحثَ، ويجعله ذخيرةً ليومٍ تُبلى فيه السرائر، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. وصلى اللهُ على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب حامداً مصلياً:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه
الثغر السكندري – العصافرة بحري
غرة رمضان سنة 1442هـ
ثم قلبت فيه النظر في شهر ربيع الأول كاملاً لسنة 1447هـ
ينزل تباعا إن شاء الله....
