كيف يفرق الشخص بين الفرح بعمله والعجب بعمله؟
السؤال مئة وثمانية وثلاثون:
يا شيخ عندي سؤال:
كيف يفرق الشخص بين الفرح بعمله والعجب بعمله؟
الحمد لله:
سؤالك دقيق في موضعه، عظيم الفائدة في بابه؛ إذ هو من دقائق مسائل السلوك التي يلتبس فيها المحمود بالمذموم، لذلك وجب البسط:
أولاً: الفرح بالعمل الصالح:
الأصل أن يفرح العبد بالطاعة التي وفّقه الله إليها، فهذا من شكر النعمة، وهو فرح مشروع دلَّ عليه الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
قال المفسرون: فضل الله هو الإسلام، ورحمته هو القرآن، والفرح بذلك فرح مشروع؛ لأنه بمنة الله وهدايته لا بقدرة العبد وسعيه.
وجاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ، وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ، فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ » رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما، وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [2/91 رقم: 550]. فالمؤمن يفرح بالحسنة من حيث هي توفيق من الله، ويحزن على السيئة لكونها تقصيرًا منه.
ثانياً: العُجب بالعمل:
العجب هو استعظام العبد عمله، ورؤيته لنفسه فيه، مع نسيان المنة لله تعالى.
وقد ورد النهي عنه في نصوص كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: « وَثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ أهْلَكَتْهُ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ » رواه الطبراني وغيره وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [2/412 رقم: 1802]). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الهلاك في اثنتين: القنوط، والعُجب، وذكر أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والعجب محبط للأجر أو منقص له، لأنه ينافي الإخلاص والخضوع لله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] أي: لا ترَ عملك كثيرًا على ربك، (وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره. وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير) انتهى من تفسير ابن كثير [8/264].
ثالثاً: الفرق بينهما إجمالاً:
السرور بالطاعة ليس على مرتبة واحدة، بل ينقسم إلى محمودٍ ومذموم:
فالمحمود ما كان فرحًا بفضل الله ولطفه وستره، أو بما يترتب عليه من اقتداء الناس بالخير فيضاعَف به الأجر، أو فرحًا بما يبدو من إيمان المؤمنين حين يمدحون الطاعة ويحبون أهلها، فيكون فرحه بحسن صنيع الله، وبحب عباده للخير لا بنفسه. وهذا داخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58].
وأما المذموم، فهو ما كان سرورًا بجاهٍ عند الناس، أو منزلةٍ في قلوبهم، أو تعظيمٍ ومدحٍ دنيوي ينال به مصالحه، فهذا سرور مذموم يجرُّ صاحبه إلى الرياء والعجب.
فالعبد الصادق يفرح بفضل ربه لا بمدح خلقه، ويأنس بلطف مولاه لا بإطراء الناس له؛ لأن من جعل فرحه بالله ازداد قربًا، ومن جعله بالناس هلك وخاب.
واعلم – رحمك الله – أن العُجب داءٌ قاتل، ذمّه الله تعالى في كتابه، وحذّر منه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، إذ يُعمي البصيرة ويهدم العمل. ألم تسمع قوله جل شأنه: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 25]؟ فلام المؤمنين على اغترارهم بالكثرة، التي لم تدفع عنهم الهزيمة. وقال سبحانه عن الكفار: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: 2]، فأبطل غرورهم بالحصون والشوكة. بل وصف أقوامًا فقال: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]، وما ذاك إلا عُجبٌ بالعمل أورثهم ضلالًا. فالعُجب قد يطرأ على عملٍ باطل أو على عملٍ صواب، لكنه في الحالين مهلك إن استولى على القلب، وهذه فائدة يجب التنبيه عليها، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)
يا شيخ عندي سؤال:
كيف يفرق الشخص بين الفرح بعمله والعجب بعمله؟
الحمد لله:
سؤالك دقيق في موضعه، عظيم الفائدة في بابه؛ إذ هو من دقائق مسائل السلوك التي يلتبس فيها المحمود بالمذموم، لذلك وجب البسط:
أولاً: الفرح بالعمل الصالح:
الأصل أن يفرح العبد بالطاعة التي وفّقه الله إليها، فهذا من شكر النعمة، وهو فرح مشروع دلَّ عليه الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
قال المفسرون: فضل الله هو الإسلام، ورحمته هو القرآن، والفرح بذلك فرح مشروع؛ لأنه بمنة الله وهدايته لا بقدرة العبد وسعيه.
وجاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ، وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ، فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ » رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما، وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [2/91 رقم: 550]. فالمؤمن يفرح بالحسنة من حيث هي توفيق من الله، ويحزن على السيئة لكونها تقصيرًا منه.
ثانياً: العُجب بالعمل:
العجب هو استعظام العبد عمله، ورؤيته لنفسه فيه، مع نسيان المنة لله تعالى.
وقد ورد النهي عنه في نصوص كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: « وَثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ أهْلَكَتْهُ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ » رواه الطبراني وغيره وصححه الإمام الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [2/412 رقم: 1802]). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الهلاك في اثنتين: القنوط، والعُجب، وذكر أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والعجب محبط للأجر أو منقص له، لأنه ينافي الإخلاص والخضوع لله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] أي: لا ترَ عملك كثيرًا على ربك، (وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره. وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير) انتهى من تفسير ابن كثير [8/264].
ثالثاً: الفرق بينهما إجمالاً:
السرور بالطاعة ليس على مرتبة واحدة، بل ينقسم إلى محمودٍ ومذموم:
فالمحمود ما كان فرحًا بفضل الله ولطفه وستره، أو بما يترتب عليه من اقتداء الناس بالخير فيضاعَف به الأجر، أو فرحًا بما يبدو من إيمان المؤمنين حين يمدحون الطاعة ويحبون أهلها، فيكون فرحه بحسن صنيع الله، وبحب عباده للخير لا بنفسه. وهذا داخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58].
وأما المذموم، فهو ما كان سرورًا بجاهٍ عند الناس، أو منزلةٍ في قلوبهم، أو تعظيمٍ ومدحٍ دنيوي ينال به مصالحه، فهذا سرور مذموم يجرُّ صاحبه إلى الرياء والعجب.
فالعبد الصادق يفرح بفضل ربه لا بمدح خلقه، ويأنس بلطف مولاه لا بإطراء الناس له؛ لأن من جعل فرحه بالله ازداد قربًا، ومن جعله بالناس هلك وخاب.
واعلم – رحمك الله – أن العُجب داءٌ قاتل، ذمّه الله تعالى في كتابه، وحذّر منه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، إذ يُعمي البصيرة ويهدم العمل. ألم تسمع قوله جل شأنه: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 25]؟ فلام المؤمنين على اغترارهم بالكثرة، التي لم تدفع عنهم الهزيمة. وقال سبحانه عن الكفار: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: 2]، فأبطل غرورهم بالحصون والشوكة. بل وصف أقوامًا فقال: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]، وما ذاك إلا عُجبٌ بالعمل أورثهم ضلالًا. فالعُجب قد يطرأ على عملٍ باطل أو على عملٍ صواب، لكنه في الحالين مهلك إن استولى على القلب، وهذه فائدة يجب التنبيه عليها، والله أعلم.
من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)