الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

الحلقة الثالثة في (الرد على صلاح كنتوش )

١١ شعبان ١٤٤٧ هـ٣٠ يناير ٢٠٢٦
الردودالمقالاتالرد على صلاح كنتوشالمنهج والدعوة السلفيةولاة الأمر والسمع والطاعةاليمنالنوازل والأحداث
الحلقة الثالثة في (الرد على صلاح كنتوش )

[ ولا تُنقَل صراعاتٌ مكشوفة العوار — قد كشفنا فسادها بفضل الله — لتُفرض بها أحكامٌ جائرة على المنهج، وتُمرَّر من خلالها مخالفاتٌ صريحة للأصول؛ من الخروج على ولي الأمر الشرعي، إلى تبرير التقسيم وتمزيق اليمن السعيد.
وهذا — والله — لا ينطلي على صغار طلاب العلم فضلًا عن علمائهم ومشايخهم ونجبائهم.
لقد كشفتَ — يا كنتوش — عن عجزٍ عن إقامة الحُجّة، وفقرٍ في التحرير، واضطرابٍ في الميزان، وسقوطٍ منهجيٍّ بيّنٍ لا يخفى على من عرف طريق السلف حقًّا]
👇
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فإن من أعجب العجب، وأخبث البلاء، أن يخرج علينا قومٌ يتزيَّون بلباس الغَيْرة على الدعوة، ويتدثَّرون بشعار “المصلحة” وتوقير “الكبار”، فإذا فتَّشت عن بضاعة كلامهم لم تجد إلا هواءً منتنًا، وتهديدًا أجوف، وصراخًا يُراد به إسكاتُ الحق لا نصرته. قومٌ إذا عجزوا عن مجاراة الحُجج لجؤوا إلى التشنيع، والتخويف، وصناعة الأوهام، كأن البيان السلفي جريمة، وكأن النصيحة خيانة، وكأن السكوت عن الباطل هو عين الحكمة والديانة!
وما علم هؤلاء – أو تناسوا – أن المنهج السلفي قام على إقامة الدليل، وكشف الشبهة، وفضح التلبيس، لا على التشويش والبذاءة والتترس بالأشخاص، ولا على إرهاب المخالف، ولا على دفن الحق باسم “اتقِ الله واسكت”.
فليعلم المتعصِّبون أن الحق لا يُخنق بالصياح، ولا يُغتال بالتهويل، وأن الدعوة السلفية لم تُحفظ يومًا بالسكوت عن الخطأ، بل بالنصح الصادق والرد العلمي، وأن من ضاق صدره بالبيان فليُراجع نفسه، لا أن يتهم غيره بالفتنة؛ كما فعل صلاح كنتوش في كتابته التي سأفندها هنا. والله المستعان.

أولًا: قلبُ الحقائق ولبسُ الباطل ثوبَ النصيحة:
زعم هذا الكنتوش أن الشيخ الفاضل العالِم نزارًا “صار متجلِّدًا في الفتن”، وهي كلمةٌ جوفاء لا تصدر إلا عن ارتباكٍ فكريٍّ وإفلاسٍ علميّ، بعد أن عجز عن مجابهة الأسئلة المحرِّرة، والاعتراضات الكاشفة، التي وجَّهها الشيخ نزار للحزب الانتقالي وأضرابه. فحينما تسقط الحُجج لا يبقى في يد المفلس إلا التهويل والتشنيع، وحينما يضيق صدره عن البيان يلجأ إلى تلبيس الأوصاف وقلب الحقائق.
والمنهج السلفي ـ الذي يتشدَّقون باسمه ـ أصلُه وقاعدته: أن الدعاوى إن لم تقام عليها البيِّنات فأصحابها أدعياء.
فأين نقلٌ صحيح ثابت؟ وأين خطأٌ مُحرَّرٌ بلا تأويل؟ وأين دليلٌ يُلزِم ولا يُهَوِّل؟ أم هي لغة الغمغمة والهمهمة والتأتأة والأنأنة التي لا يُتقنها إلا من أراد استمالة بقايا المبتدئين، لا خطابَ العلماء الربانيين الذين لا يقبلون إلا الحق بالبرهان؟
قال الله تعالى، ففصل النزاع، وقطع دابر الدعاوى العارية:
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111].

ثانيًا: جعلُ “مصلحة الدعوة” مطيّةً لإسكات صوت الناصحين:
قول كنتوش: “المشايخ الكبار يراعون مصلحة الدعوة” كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطلٌ صريح؛ إذ ليست المصلحة الشرعية عند السلف عصًا غليظة تُكسَر بها النصوص، ولا ستارًا يُدفَن تحته البيان، ولا حيلةً يُكمَّم بها أفواه أهل الحق. فالمصلحة المعتبرة عند أهل السنة تابعةٌ للنص، منضبطةٌ به، دائرةٌ معه وجودًا وعدمًا، لا تُنشأ بالأهواء، ولا تُقاس بالأمزجة، ولا تُستعمل لحماية الأخطاء وتحصين الانحرافات.
وقد كان السلف الصالح ـ رحمهم الله ـ أفقهَ الناس بالمصالح، وأعلمَهم بالمآلات، ومع ذلك كانوا أصرحَ الأمة بيانًا للخطأ، وأشدَّها إنكارًا للباطل، لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يُرهبهم صراخُ المتعصِّبين ولا فزَّاعة عناوينُ “الكبار”. بل كانوا يعلمون قدر الكبار وأن ترك البيان هو أعظم مفسدة، وأن السكوت في موطن البيان خيانة للعلم والمنهج.
قال الإمام أحمد رحمه الله ـ وهو إمام أهل السنة:
“إذا سكت أنت وسكت أنا؛ فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم”
فبيَّن أن السكوت ليس مصلحة، بل مفسدة، وأن ترك البيان يُفسح المجال لأهل الأهواء لقيادة الناس بالباطل.
وقد قال النبي ﷺ، في أصلٍ جامعٍ مانعٍ لا يقبل هذا التلاعب:
«الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قيل: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (رواه مسلم).
فمن جعل “مصلحة الدعوة” حُجَّةً لإسقاط النصيحة، وتعطيل البيان، وتأثيم الناصحين، فقد قلب المنهج رأسًا على عقب، وخالف سبيل السلف، وسلك مسلك أهل الأهواء.
والدعوة السلفية لم تُحفَظ يومًا بالصمت، وإنما حُفِظت بالبيان الجلي، والنصيحة المخلصة الواضحة، وكشف التلبيس، مهما تلونت شعارات المموّهين والمشوشين وتثعلبت الثعالب.

ثالثًا: أسلوبُ التهديد بدلَ المحاجّة والبرهان:
قول كنتوش: “فاتقِ الله واسكت” ليس من النصيحة في شيء، بل هو تهديدٌ مُغلَّف، وإرهابٌ فكريٌّ صريح، يُراد به إخماد صوت الحق والبيان حين تعجز الحُجج عن الصمود. فلو كان عند الكنتوش علمٌ لَساقه، ولو كان معه دليلٌ لأظهره؛ لكن من أُفلس برهانه احتمى بالصياح، ومن ضاق صدره عن المحاجّة احتمى بكلمات براقة ولكنها مطاطة خداعة ببريق الزئبق.
وهذا المسلك غريبٌ عن منهج السلف؛ فإن السلف لم يقولوا يومًا: اسكت عن الباطل، بل قالوا: الساكت عن الحق شيطان أخرس . وأيُّ دينٍ هذا الذي يُصان بالسكوت؟ وأيُّ دعوةٍ تُحفَظ بتكميم أفواه أهلها؟!
فكيف بمن يجعل السكوت أصلًا ومنهجًا، ويُلبسه لباس التقوى زورًا وبهتانًا؟
ثم انظر كيف يُستبدَل ميزانُ العلم بسوط هزيل من ضعيف، والبرهان بعبارةٍ آمرةٍ جافة ممزوجة بخليط الحمق، كأن الحق يُفرض من مثل هؤلاء الضعفاء (الكناتيش) لا بالحجة والبرهان، وكأن المنهج السلفي قام على إسكات المخالف لا على إقامة بالدليل.
وقد قطع الله الطريق على هذا التلبيس بقوله:
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 39].
فالخوف الذي يُسكِت عن البيان ليس خوفًا شرعيًّا، بل وَهَنٌ في المنهج، والسكوت الذي يُفرَض بالجعجعة ليس تقوى، بل تواطؤٌ مع الباطل. ومن كان على الحق لم يحتج إلى إسكات غيره، بل دعا إلى المحاجّة، ورضي بميزان العدل، واطمأن إلى البرهان.

رابعًا: دعوى الإجماع الوهمي:
قول كنتوش: “قرأ طلاب العلم العقلاء ولم يجدوا حجة” هذا تلبيسٌ معروف؛ إذ يجعل نفسه ناطقًا باسم “العقلاء”، كما فعل قبله الكذاب المحتال ( الثعلب المكار ).
والمنهج السلفي يرفض دعوى الإجماع المزعوم المكذوب، ويعلم ما وراءه ويطالب بتحرير محل النزاع ثم نقض الحجة بالحجة. وأنى للغارق في الباطل ذلك!!

خامسًا: التهويلُ بمصير ابن هادي… عدولٌ عن الحق إلى التخويف والتهديد:
قول كنتوش: «وننصح لك أن لا تسلك مسلك ابن هادي فتذوب كما ذاب» هو المعنى الجليّ للمثل السائر: رمتني بدائها وانسلّت؛ إذ يُسقِط على غيره ما ابتُلي به هو من اضطرابٍ وخلطٍ في الموازين. وهذا المسلك ليس مستغربًا ممّن جعل الهوى معيارًا للحكم على المنهج، وقدّم الانطباعات والتكتلات على ميزان الدليل والتحرير.
لقد اتخذ من مصير ابن هادي أداة تخويف لإسكات من يخالفه، فترك باب المحاجّة — عجزًا أو تهرّبًا — ولجأ إلى باب التهديد، كأن الحق يُعرف بهذه الدعايات لا بالبراهين الشرعية. وهذا قلبٌ للميزان، ومصادرةٌ للمنهج؛ فإن العبرة في السلفية ليست بمن انتهى إلى ماذا، وإنما بما قيل: أحقٌّ هو أم باطل؟
وقد أبطل الله هذا المسلك من أصله، وقطع مادته، فقال جلّ وعلا:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
فلا يُختلَق خطأ، ولا يُنتزَع زلَل، ثم يُلصَق بغير صاحبه، ولا تُنقَل صراعاتٌ مكشوفة العوار — قد كشفنا فسادها بفضل الله — لتُفرَض بها أحكامٌ جائرة على المنهج، وتُمرَّر من خلالها مخالفاتٌ صريحة للأصول؛ من الخروج على ولي الأمر الشرعي، إلى تبرير التقسيم وتمزيق اليمن السعيد.
وهذا — والله — لا ينطلي على صغار طلاب العلم فضلًا عن علمائهم ومشايخهم ونجبائهم.
لقد كشفتَ — يا كنتوش — عن عجزٍ عن إقامة الحُجّة، وفقرٍ في التحرير، واضطرابٍ في الميزان، وسقوطٍ منهجيٍّ بيّنٍ لا يخفى على من عرف طريق السلف حقًّا.

سادسًا: أين الردُّ العلمي؟
ولو كان في مقالات الشيخ العالم النحرير نزار حفظه الله خطأ — وهذا وارد ولا ضير — فإن الطريق السلفي معلومٌ لا يجهله طلاب العلم:
نقلٌ أمين بلا بتر ولا تحريف.
تحريرٌ لمحلّ النزاع بلا تشغيب ولا تعميم.
ردٌّ بالدليل من الكتاب والسنة وفهم السلف، بإنصافٍ وتجرد.
أما الكلام الغوغائي، والتخويف بالأسماء، والتهديد بالمآلات، وتكثير العناوين التافهة فليست من العلم في شيء، ولا تُقيم حُجّة، ولا تُسقط شبهة، وإنما هي عند العقلاء -العقلاء بحق- كفقاقيع الزبد؛ دليل العجز عن مواجهة قوة الحق.

وفي الختام:
أقول للأخ صلاح كنتوش - نعم أخي ولكن أخي الصغير الطائش- : اتقِ الله وارجع إلى الحق قبل أن يُحال بينك وبينه؛ فإن الرجوع إلى الحق فضيلةٌ، والتوبة بابها مفتوح ما لم يُغلَق الأجل.
ودَعِ التمادي في الباطل، فإن العناد لا يُحوِّل الخطأ صوابًا، ولا يُكسِب موقفك إلا ضعفًا ووهنًا.
وزِن كلامك بميزان الشرع، وردَّ بالدليل إن كان عندك، فذلك هو سبيل أهل الإنصاف.
وإيّاك أن تحملك الأهواء على المكابرة ومصادرة المنهج أو إسكات صوت الحق، فإن الحق أحق أن يُتَّبع.
والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الغي، والاعتراف بالخطأ أنجى من المكابرة.
نسأل الله أن يهدينا ويهديك للحق هدايةً لا ضلال بعدها، وأن يردنا ويردّك إليه ردًّا جميلًا.
والحمد لله رب العالمين
وكتب:
بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية- الجمعة ١١ شعبان ١٤٤٧هجرية

مواد ذات صلة