الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

مستشفى الأمراض العقلية ووجه الشَّبَه بالحزب الانتقالي الجنوبي الجديد

١١ محرم ١٤٤٨ هـ٢٦ يونيو ٢٠٢٦
الردودالمقالاتالرد على مشايخ الحزب الانتقاليالفرق والأحزاباليمنالنوازل والأحداث
مقال الأسبوع:(مستشفى الأمراض العقلية ووجه الشَّبَه بالحزب الانتقالي الجنوبي الجديد)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيُحكى أنه في سنةٍ من السنين وقعت حادثةٌ عجيبةٌ في مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية، إذ حدث خللٌ في الحراسة، فانفتحت الأبواب وخرج عددٌ كبيرٌ من النزلاء إلى الشوارع المحيطة، فعمَّ الاضطراب واشتدَّ القلق، وعجزت المحاولات المتكررة عن إعادتهم إلى المستشفى.

فلما استعصى الأمر، استُدعي أحد الأطباء المشهورين بالحذق (الخبث) والخبرة (في المكر) ، فنظر في القضية مليًّا، ثم ابتكر طريقةً غريبة؛ جمع بعض العاملين، وجعلهم يقفون صفًّا واحدًا يمسك كلُّ واحدٍ منهم بكتف صاحبه، وتقدَّمهم هو ممسكًا ب (زمارةٍ) كبيرة، وأخذ يسير في الطرقات مطلقًا صوتها بين الفينة والأخرى.

وكان كلما مرَّ بأحد الهاربين ورأى المجنون الهارب هذا "القطار" العجيب انضمَّ إليه، حتى طال الصف وامتد، ثم عاد بهم جميعًا إلى المستشفى بهذه الطريقة الماكرة.

لكن المفاجأة لم تكن في رجوع الهاربين، وإنما كانت عند العدِّ والإحصاء؛ فقد تبيَّن أن الذين عادوا في القطار أضعافُ من خرجوا منه أول الأمر! فعجب الناس من ذلك، وقيل يومئذٍ: لعلَّ بعض من كانوا خارج الأسوار أشدُّ رغبةً في ركوب القطار من الذين خرجوا من داخله!

وهذه الحكاية ـ على ما فيها من طرفة ـ تذكِّر الناظر بحال كثيرٍ من الناس زمن الفتن؛ فإنهم يتبعون كل ناعق، ويميلون مع كل صارخ، ويجرون خلف كل شعارٍ دون نظرٍ في حقيقته، ولا تمحيصٍ لأصوله، ولا سؤالٍ عن دليله.

وقد حذر الله عز وجل من الاغترار بالكثرة فقال: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي».

فالعبرة ليست بكثرة المجتمعين، وإنما بصحة الطريق الذي اجتمعوا عليه، وليست العبرة بكثرة الدروس والمحاضرات كما زعم بعضهم مفتخرا، وإنما بقوة الحجة ووضوح البرهان.

ويا لله العجب!

فقد ابتكر عرفات المحمدي فكرةً دخيلةً لم تُعرف عند السلفيين - تسخير الدعوة لتمرير مشروع سياسي يؤل لتقسيم دولة اليمن، ثم صار يدعو الناس إليها ويجمعهم حولها، وكأن السلفية التي مضى عليها أئمة الدعوة والعلماء الكبار عشرات السنين كانت بحاجةٍ إلى اكتشافٍ جديد لم يُفتح به على ابن تيمية، ولا على محمد بن عبد الوهاب، ولا على الألباني، ولا على ابن باز، ولا على ابن عثيمين رحمهم الله جميعًا، حتى جاء هذا الماكر بالمفتاح السحري والحلِّ المنتظر!

فأنشأ مشروعًا خبيثاً لا يعرفه السلفيون في أصول دعوتهم، ثم أخذ يقنع من حوله ويجندهم (ينفخ في الصفارة) ، فكلما سمعها متحمسٌ فقير سال لعابه أمام الدراهم، أو مستعجلٌ بلا برهان، أو مولعٌ بكل جديد غرَّه مكره وخبثه؛ لحق بالقطار، ثم ظن بعض الركاب أن كثرة الراكبين دليلٌ على صحة الطريق!

والمسكين لا يدري أن الله لم يجعل الحق تابعًا للكثرة، بل قال سبحانه: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

فإذا سُئلوا: أين الدليل عن هذه المصائب والكوارث التي حلت بالبلاد من تقتيل وتقسيم؟ قالوا: انظروا إلى العدد من المحاضرات والدروس!

وإذا قيل لهم: هل عرف السلف هذا المسلك؟ قالوا: انظروا إلى الحماس والنشاط في الدعوة من السعوديةالى إندونيسيا ... !

وإذا قيل لهم: أين التأصيل وعجزوا عن رد الحجةبالحجة؟ ذهبوا للازدراء أو التبديع!

وهكذا يبقى أهل السنة يطلبون البرهان، ويبقى أصحاب المشاريع السياسية يعدُّون الركاب.

أما أهل الأثر فإن ميزانهم لا يتغير، وهو قول الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم".

فيا طالبَ العلم، إيّاك وجنونَ الكِبْر، وآفةَ العُجب، وغرورَ الشهرة، فإنها مهالكُ تقصم الظهور وتطمس البصائر. ولا تنخدع بزينة الشعارات، ولا بكثرة الركاب، ولا بضجيج المصفقين، وكن على ذكر من قصة مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية؛ فإن الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال يُعرفون بالحق. والسعيد من لزم السنة، واعتصم بالأثر، وجعل ميزانه الوحيَ لا الحماسة، والدليلَ لا التهويل، والحقَّ لا الرجال.

ونسأل الله عز وجل أن يثبتنا على السنة، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا من أهل الحق الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي - عفا الله عنه -
مطروح - عروس الساحل الشمالي - مصر المحروسة
الأحد: السادس من شهر الله المحرم ١٤٤٨ هجرية

مواد ذات صلة