قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في (الجواب الكافي) [ص: ١٢٣]: (قال بعض السلف: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها،…
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في (الجواب الكافي) [ص: ١٢٣]: (قال بعض السلف: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه) اهـ.
ثم تأمل جمال الاستثناء في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: 3]، أي: ما أنزلناه للشقاء، بل أنزلناه للتذكير والهدى والتبصير. أنزلناه ليوقظ القلوب من رقدتها، ويخرج النفوس من غفلتها، ويقود العباد إلى ربهم ومولاهم.
ولكن الانتفاع به ليس لكل أحد، وإنما لأهل الخشية والتقوى، وأصحاب القلوب الحية، الذين إذا ذُكِّروا تذكروا، وإذا وُعظوا اعتبروا، وإذا سمعوا الحق خضعوا واستجابوا.
فيا من تبحث عن السعادة في غير القرآن، لقد أخطأت العنوان، وأضعت الطريق، وطلبت الماء في السراب، والهدى في الضباب.
ويا من ترجو راحة القلب وسكينة النفس، عليك بكتاب الله؛ ففيه الشفاء من الأسقام، والنجاة من الآثام، والعصمة من الفتن والآلام.
فالقرآن كتاب هدايةٍ لا غواية، وكتاب رحمةٍ لا نقمة، وكتاب سعادةٍ لا شقاوة، وكتاب حياةٍ لا موت، وكتاب نورٍ لا ظلمة.
ومن تمسك به ربح وفاز، ومن أعرض عنه خسر وخاب، كما قال سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 123-124].
فشتان بين قلبٍ عمره القرآن فاستنار واستقام، وبين قلبٍ هجر القرآن فاسودَّ واحتار واضطرب وانهزام.
ويا طلابَ العلم، القرآنَ القرآنَ! والحفظَ الحفظَ! والمراجعةَ المراجعةَ! فإن العلمَ كلَّه يدور على كتاب الله، والسنةُ مبينةٌ له وشارحةٌ لمعانيه، ولا صلاح للعبد في علمه وعمله إلا بهما. والبركةَ كلَّ البركة في ملازمة القرآن، والخيرَ كلَّ الخير في تعاهده، والنورَ كلَّ النور في تدبره والعمل به.
احفظوا القرآن قبل أن تشغلكم الأشغال، وقبل أن تتخطف أوقاتكم الهمومُ والأعمال، فإن الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر، ومن فاته الحفظ في أول عمره ندم عليه في آخره إلا من رحم الله.
يا طلاب العلم، اجعلوا للقرآن أوفرَ نصيبٍ من أوقاتكم، وأكثرَ حظٍّ من عنايتكم؛ فهو أصل العلوم، ومفتاح الفهوم، ومادة التفسير والحديث والفقه والأصول، ومن ضيَّع القرآن حُرم بركة العلم وإن كثرت محفوظاته، ومن أقبل عليه فُتحت له أبواب الخيرات والبركات.
ثم المراجعةَ المراجعةَ؛ فإن المحفوظ صيدٌ، والمراجعة قيدٌ، وما أسرع القرآن تفلتًا من الصدور إذا أُهمل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» متفق عليه.
فلا تغترَّ بكثرة ما تحفظ، بل انظر إلى ما تُتقن، ولا تفرح بعدد الأجزاء، بل افرح بثباتها في صدرك، فإن المحفوظ الذي لا يُراجع يذبل شيئًا فشيئًا، ثم يتفلت آيةً بعد آية، وسورةً بعد سورة، حتى لا يبقى منه إلا الاسم والرسم.
فيا أهل القرآن، الزموا كتاب ربكم حفظًا وتلاوةً ومراجعةً وتدبرًا، وأكثروا من تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، فإن القرآن لا يعطي بعضه لمن أعطاه بعضه، وإنما يفتح كنوزه وأسراره لمن أقبل عليه بكليته، وأفنى في صحبته أوقاته وساعاته.
فالقرآنَ القرآنَ قبل أن تقولوا: ليتنا حفظنا، والمراجعةَ المراجعةَ قبل أن تقولوا: ليتنا تعاهدنا، والأوقاتَ الأوقاتَ قبل أن تصبح ذكرياتٍ وحسرات؛ فإن الأيام تمضي، والأعمار تنقضي، ولا يبقى للعبد بعد توفيق الله إلا ما أودعه صدره من كتاب ربه، وما عمل به من آياته، وما بلغه من هداه.
نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجِلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، والعمل بأحكامه، والوقوف عند حدوده، حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، إنه الكريم الرحيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وأله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية
ليلة الأحد 28 ذو الحجة 1447 هـ.
ثم تأمل جمال الاستثناء في قوله سبحانه: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: 3]، أي: ما أنزلناه للشقاء، بل أنزلناه للتذكير والهدى والتبصير. أنزلناه ليوقظ القلوب من رقدتها، ويخرج النفوس من غفلتها، ويقود العباد إلى ربهم ومولاهم.
ولكن الانتفاع به ليس لكل أحد، وإنما لأهل الخشية والتقوى، وأصحاب القلوب الحية، الذين إذا ذُكِّروا تذكروا، وإذا وُعظوا اعتبروا، وإذا سمعوا الحق خضعوا واستجابوا.
فيا من تبحث عن السعادة في غير القرآن، لقد أخطأت العنوان، وأضعت الطريق، وطلبت الماء في السراب، والهدى في الضباب.
ويا من ترجو راحة القلب وسكينة النفس، عليك بكتاب الله؛ ففيه الشفاء من الأسقام، والنجاة من الآثام، والعصمة من الفتن والآلام.
فالقرآن كتاب هدايةٍ لا غواية، وكتاب رحمةٍ لا نقمة، وكتاب سعادةٍ لا شقاوة، وكتاب حياةٍ لا موت، وكتاب نورٍ لا ظلمة.
ومن تمسك به ربح وفاز، ومن أعرض عنه خسر وخاب، كما قال سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 123-124].
فشتان بين قلبٍ عمره القرآن فاستنار واستقام، وبين قلبٍ هجر القرآن فاسودَّ واحتار واضطرب وانهزام.
ويا طلابَ العلم، القرآنَ القرآنَ! والحفظَ الحفظَ! والمراجعةَ المراجعةَ! فإن العلمَ كلَّه يدور على كتاب الله، والسنةُ مبينةٌ له وشارحةٌ لمعانيه، ولا صلاح للعبد في علمه وعمله إلا بهما. والبركةَ كلَّ البركة في ملازمة القرآن، والخيرَ كلَّ الخير في تعاهده، والنورَ كلَّ النور في تدبره والعمل به.
احفظوا القرآن قبل أن تشغلكم الأشغال، وقبل أن تتخطف أوقاتكم الهمومُ والأعمال، فإن الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر، ومن فاته الحفظ في أول عمره ندم عليه في آخره إلا من رحم الله.
يا طلاب العلم، اجعلوا للقرآن أوفرَ نصيبٍ من أوقاتكم، وأكثرَ حظٍّ من عنايتكم؛ فهو أصل العلوم، ومفتاح الفهوم، ومادة التفسير والحديث والفقه والأصول، ومن ضيَّع القرآن حُرم بركة العلم وإن كثرت محفوظاته، ومن أقبل عليه فُتحت له أبواب الخيرات والبركات.
ثم المراجعةَ المراجعةَ؛ فإن المحفوظ صيدٌ، والمراجعة قيدٌ، وما أسرع القرآن تفلتًا من الصدور إذا أُهمل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» متفق عليه.
فلا تغترَّ بكثرة ما تحفظ، بل انظر إلى ما تُتقن، ولا تفرح بعدد الأجزاء، بل افرح بثباتها في صدرك، فإن المحفوظ الذي لا يُراجع يذبل شيئًا فشيئًا، ثم يتفلت آيةً بعد آية، وسورةً بعد سورة، حتى لا يبقى منه إلا الاسم والرسم.
فيا أهل القرآن، الزموا كتاب ربكم حفظًا وتلاوةً ومراجعةً وتدبرًا، وأكثروا من تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، فإن القرآن لا يعطي بعضه لمن أعطاه بعضه، وإنما يفتح كنوزه وأسراره لمن أقبل عليه بكليته، وأفنى في صحبته أوقاته وساعاته.
فالقرآنَ القرآنَ قبل أن تقولوا: ليتنا حفظنا، والمراجعةَ المراجعةَ قبل أن تقولوا: ليتنا تعاهدنا، والأوقاتَ الأوقاتَ قبل أن تصبح ذكرياتٍ وحسرات؛ فإن الأيام تمضي، والأعمار تنقضي، ولا يبقى للعبد بعد توفيق الله إلا ما أودعه صدره من كتاب ربه، وما عمل به من آياته، وما بلغه من هداه.
نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجِلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، والعمل بأحكامه، والوقوف عند حدوده، حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، إنه الكريم الرحيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وأله وصحبه أجمعين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية
ليلة الأحد 28 ذو الحجة 1447 هـ.