سلسلة آية مؤثرة
سلسلة آية مؤثرة:
(4) قال الله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ [طه: 2].
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
قال الله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ [طه: 2]، ما أعظمها من آيةٍ، وما أجلَّها من هديةٍ ربانيةٍ، وما أبلغها في قطع الشبهة، وإقامة الحجة، وإزهاق الباطل، وإظهار المحجة.
إنها آيةٌ، وما أجلَّها من آية، وما أعظمها من هداية، من آيات الوحي المبين، جاءت لتدكَّ شبه المبطلين، وتقطع أوهام المعرضين، وتعلن للخلق أجمعين أن القرآن لم يُنزَّل للشقاء، ولم يُوحَ للتعاسة والعناء، ولم يُشرع للتضييق والبلاء، وإنما نزل رحمةً للأتقياء، وهدىً للأصفياء، وضياءً للسالكين إلى رب الأرض والسماء، يشرح الصدور بعد ضيقها، ويحيي القلوب بعد مواتها، ويخرج العباد من ظلمات الجهل والهوى إلى أنوار العلم والتقوى.
﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 2].
نفيٌ مؤكدٌ، وحكمٌ محكمٌ، وخبرٌ صادرٌ من رب العالمين؛ فكيف يجرؤ بعده متقولٌ على الله، أو جاهلٌ بدينه، أو مفتونٌ بحضارة الكافرين، فيزعم أن الاستقامة كآبة، وأن التدين انقباض، وأن التمسك بالوحي حرمان واضطراب؟
كلا ورب الكعبة!
فإن القرآن نزل ليشرح الصدور بعد ضيقها، وينير القلوب بعد ظلمتها، ويحيي الأرواح بعد موتها، ويجمع النفوس بعد شتاتها.
نزل ليُخرج العباد من أسر الشهوات إلى فضاء الطاعات، ومن ذلِّ المعصية إلى عزِّ العبودية، ومن ظلمات الجهل والهوى إلى نور العلم والهدى، ومن أودية الحيرة والاضطراب إلى رياض الطمأنينة واليقين، ومن سُبل الغواية إلى محجة الهداية، ومن دركات الشقاء والحرمان إلى منازل السعادة والإحسان، ومن عبودية الهوى والشيطان إلى عبودية الملك الديان، فيحيا به القلب بعد موته، ويستقيم به العبد بعد عوجه، ويستنير به العقل بعد حيرته، وتفوز به النفوس برضا ربها وجنته.
وكيف يكون القرآن سبباً للشقاء، وهو الذي وصفه الله بأنه هدى ورحمة؟!
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
وكيف يكون سبباً للتعاسة، والله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123]؟
فنفى الله عن أهل الهدى الضلال والشقاء، كما نفى عن أهل الإيمان الخسران والعناء.
بل إن الشقاء الحقيقي، والضنك السرمدي، والهمَّ المقيم، إنما هو في الإعراض عن الوحي والفرار من الهدى = قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124].
فتأمل هذا الميزان الرباني العادل، والحكم الإلهي الفاصل: اتباعٌ فطمأنينة، وإعراضٌ فضنك؛ هدىً فسعادة، وهوىً فشقاوة؛ قرآنٌ فسكينة، وحرمانٌ منه فحيرةٌ وكآبة؛ إيمانٌ فأمنٌ وراحة، ونفاقٌ فقلقٌ ووحشة؛ طاعةٌ فبركةٌ ونور، ومعصيةٌ فظلمةٌ وغرور؛ قربٌ من الله فأنسٌ وسرور، وبعدٌ عنه فوحشةٌ وثبور.
فمن جعل القرآن إمامه سعد وإن افتقر، واستراح وإن ابتُلي، وأبصر وإن ادلهمت الخطوب من حوله؛ ومن أعرض عنه شقي وإن اغتنى، واضطرب وإن ترفَّه، وضلَّ وإن أوتي من زخارف الدنيا ما أوتي. فليس الغنى بكثرة العَرَض، ولا السعادة بوفرة المتاع، وإنما الغنى غنى القلب، والسعادة سعادة الروح، والنعيم نعيم الإيمان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولذلك ترى أهل الدنيا يطوفون في ميادين الشهوات، ويركضون خلف اللذات، ويتقلبون بين الملذات، ثم لا يحصدون إلا الحسرات والزفرات والآهات.
كم من غنيٍّ ملك الأموال وما ملك راحة البال! وكم من مشهورٍ عرفه الناس جميعاً وهو يجهل طريق السعادة! وكم من مترفٍ أحاط نفسه بأسباب النعيم، وقلبه يتقلب في أودية القلق والألم والجحيم!
أما المؤمن الصادق، فقد يجد من ضيق العيش ما يجد، ومن كدر الدنيا ما يجد، ولكنه يحمل في صدره جنةً عاجلةً من الرضا واليقين، والطمأنينة والسكينة؛ قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]؛ فبالذكر تطمئن لا بالمعصية، وبالطاعة تسعد لا بالخطيئة، وبالقرب من الله تُنال الراحة لا بالبعد عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
حياةٌ طيبةٌ في القلب وإن قلَّ المال، وسعادةٌ في الروح وإن عظمت الأثقال، وطمأنينةٌ في النفس وإن تقلبت الأحوال، وسكينةٌ في الفؤاد وإن هاجت الفتن كالأمواج، وراحةٌ في الضمير وإن ضاقت بالعبد السبل والمخارج، فلا يملك الناس له ضرًّا ولا نفعًا إلا بإذن الله، لأنه يعيش في كنف الرضا، ويتقلب في ظلال اليقين، ويأنس برب العالمين، وذلك هو النعيم الذي لا يُشترى بالأموال، ولا يُنال بالجاه والرجال، وإنما يُوهب لأهل الإيمان والإقبال.
(4) قال الله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ [طه: 2].
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
قال الله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ﴾ [طه: 2]، ما أعظمها من آيةٍ، وما أجلَّها من هديةٍ ربانيةٍ، وما أبلغها في قطع الشبهة، وإقامة الحجة، وإزهاق الباطل، وإظهار المحجة.
إنها آيةٌ، وما أجلَّها من آية، وما أعظمها من هداية، من آيات الوحي المبين، جاءت لتدكَّ شبه المبطلين، وتقطع أوهام المعرضين، وتعلن للخلق أجمعين أن القرآن لم يُنزَّل للشقاء، ولم يُوحَ للتعاسة والعناء، ولم يُشرع للتضييق والبلاء، وإنما نزل رحمةً للأتقياء، وهدىً للأصفياء، وضياءً للسالكين إلى رب الأرض والسماء، يشرح الصدور بعد ضيقها، ويحيي القلوب بعد مواتها، ويخرج العباد من ظلمات الجهل والهوى إلى أنوار العلم والتقوى.
﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 2].
نفيٌ مؤكدٌ، وحكمٌ محكمٌ، وخبرٌ صادرٌ من رب العالمين؛ فكيف يجرؤ بعده متقولٌ على الله، أو جاهلٌ بدينه، أو مفتونٌ بحضارة الكافرين، فيزعم أن الاستقامة كآبة، وأن التدين انقباض، وأن التمسك بالوحي حرمان واضطراب؟
كلا ورب الكعبة!
فإن القرآن نزل ليشرح الصدور بعد ضيقها، وينير القلوب بعد ظلمتها، ويحيي الأرواح بعد موتها، ويجمع النفوس بعد شتاتها.
نزل ليُخرج العباد من أسر الشهوات إلى فضاء الطاعات، ومن ذلِّ المعصية إلى عزِّ العبودية، ومن ظلمات الجهل والهوى إلى نور العلم والهدى، ومن أودية الحيرة والاضطراب إلى رياض الطمأنينة واليقين، ومن سُبل الغواية إلى محجة الهداية، ومن دركات الشقاء والحرمان إلى منازل السعادة والإحسان، ومن عبودية الهوى والشيطان إلى عبودية الملك الديان، فيحيا به القلب بعد موته، ويستقيم به العبد بعد عوجه، ويستنير به العقل بعد حيرته، وتفوز به النفوس برضا ربها وجنته.
وكيف يكون القرآن سبباً للشقاء، وهو الذي وصفه الله بأنه هدى ورحمة؟!
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
وكيف يكون سبباً للتعاسة، والله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 123]؟
فنفى الله عن أهل الهدى الضلال والشقاء، كما نفى عن أهل الإيمان الخسران والعناء.
بل إن الشقاء الحقيقي، والضنك السرمدي، والهمَّ المقيم، إنما هو في الإعراض عن الوحي والفرار من الهدى = قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124].
فتأمل هذا الميزان الرباني العادل، والحكم الإلهي الفاصل: اتباعٌ فطمأنينة، وإعراضٌ فضنك؛ هدىً فسعادة، وهوىً فشقاوة؛ قرآنٌ فسكينة، وحرمانٌ منه فحيرةٌ وكآبة؛ إيمانٌ فأمنٌ وراحة، ونفاقٌ فقلقٌ ووحشة؛ طاعةٌ فبركةٌ ونور، ومعصيةٌ فظلمةٌ وغرور؛ قربٌ من الله فأنسٌ وسرور، وبعدٌ عنه فوحشةٌ وثبور.
فمن جعل القرآن إمامه سعد وإن افتقر، واستراح وإن ابتُلي، وأبصر وإن ادلهمت الخطوب من حوله؛ ومن أعرض عنه شقي وإن اغتنى، واضطرب وإن ترفَّه، وضلَّ وإن أوتي من زخارف الدنيا ما أوتي. فليس الغنى بكثرة العَرَض، ولا السعادة بوفرة المتاع، وإنما الغنى غنى القلب، والسعادة سعادة الروح، والنعيم نعيم الإيمان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولذلك ترى أهل الدنيا يطوفون في ميادين الشهوات، ويركضون خلف اللذات، ويتقلبون بين الملذات، ثم لا يحصدون إلا الحسرات والزفرات والآهات.
كم من غنيٍّ ملك الأموال وما ملك راحة البال! وكم من مشهورٍ عرفه الناس جميعاً وهو يجهل طريق السعادة! وكم من مترفٍ أحاط نفسه بأسباب النعيم، وقلبه يتقلب في أودية القلق والألم والجحيم!
أما المؤمن الصادق، فقد يجد من ضيق العيش ما يجد، ومن كدر الدنيا ما يجد، ولكنه يحمل في صدره جنةً عاجلةً من الرضا واليقين، والطمأنينة والسكينة؛ قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]؛ فبالذكر تطمئن لا بالمعصية، وبالطاعة تسعد لا بالخطيئة، وبالقرب من الله تُنال الراحة لا بالبعد عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
حياةٌ طيبةٌ في القلب وإن قلَّ المال، وسعادةٌ في الروح وإن عظمت الأثقال، وطمأنينةٌ في النفس وإن تقلبت الأحوال، وسكينةٌ في الفؤاد وإن هاجت الفتن كالأمواج، وراحةٌ في الضمير وإن ضاقت بالعبد السبل والمخارج، فلا يملك الناس له ضرًّا ولا نفعًا إلا بإذن الله، لأنه يعيش في كنف الرضا، ويتقلب في ظلال اليقين، ويأنس برب العالمين، وذلك هو النعيم الذي لا يُشترى بالأموال، ولا يُنال بالجاه والرجال، وإنما يُوهب لأهل الإيمان والإقبال.
