الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

نريد منكم توضيح عبارة الشيخ الفاضل فواز المدخلي حفظه الله تعالى حينما قال: ( صوفية البخاري ).

٢ محرم ١٤٤٨ هـ١٧ يونيو ٢٠٢٦
الردودالفتاوىالرد على عبد الله البخاريالمنهج والدعوة السلفيةالفرق والأحزاب
السؤال: مئتان وتسعة وستون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، حياكم شيخنا بلال حفظكم الله

نريد منكم توضيح عبارة الشيخ الفاضل فواز المدخلي حفظه الله تعالى حينما قال: ( صوفية البخاري ).
أرجو منكم التوضيح لأن أحد دعاة السلفيين في بريطانيا ادعى أن الشيخ فوازاً وصف الدكتور عبدالله البخاري بأنه صوفي وبدّعه بذلك.

الحمد لله:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
حياكم الله وبارك فيكم

الجواب بعون الملك الوهاب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن من أعظم الآفات التي ابتُليت بها الساحة الدعوية في زمن الفتن أن يُحمَّل كلام العلماء والمشايخ ما لا يحتمله، وأن تُنسب إليهم الأقوال بالظنون واللوازم الفاسدة، وأن يُجعل الاحتمال بمنزلة التصريح، والإجمال بمنزلة البيان، ثم تُبنى على ذلك الخصومات والاتهامات.

ومن ذلك ما يردده بعض المتعصبين من أن الشيخ الفاضل أبا عليٍّ فوازاً المدخلي حفظه الله قد وصف الدكتور عبد الله البخاري بأنه صوفي أو أنه بدَّعه، مستدلين بعبارة: «صوفية البخاري».

وهذا من أعجب ما يكون من التقول على الناس، فضلاً عن التقول على العلماء والمشايخ؛ فإن من قرأ النص كاملاً، ونظر في سياقه، علم يقيناً أن الشيخ فوازاً لم يصف الشيخ عبد الله البخاري بالصوفية، وإنما وجَّه وصفه إلى طائفة من المتعصبين له، سماهم «صوفية البخاري»، إشارةً إلى ما يراه فيهم من غلو في التعصب للأشخاص، وتقديمٍ لأقوال شيخهم، وجعلِه المرجع الأوحد الذي تُرد إليه النوازل والخصومات، حتى كأن الحق عندهم يدور معه وجوداً وعدماً.

فمحل الوصف في كلام الشيخ فواز هم الأتباع المتعصبون، لا الشيخ عبد الله البخاري نفسه، والفرق بين الأمرين ظاهر لا يخفى على من يعرف لسان العرب وأصول الفهم. فقول القائل: "صوفية فلان" ليس هو قوله: "فلان صوفي"، كما أن قولهم: "مقلدة فلان" أو "أتباع فلان" أو "المتعصبون لفلان" لا يقتضي أن الوصف راجع إلى ذلك الشخص نفسه.

ولو كان الشيخ فواز يريد وصف الشيخ عبد الله البخاري بالصوفية لقال ذلك صراحةً، ولم يكن ثمة ما يمنعه من التصريح به، لاسيما وهو في مقام نقد واعتراض. أما وقد صرَّح بنسبة الوصف إلى أتباعه ومتعصبيه، ثم جاء بعض الناس فنقل الوصف من الأتباع إلى الشيخ نفسه، فقد غيَّر الكلام عن موضعه، ونسب إلى الشيخ فواز ما لم يقله، وحمَّل عبارته ما لا تحتمله.

ومن تأمل المقال وجد أن الشيخ فوازاً إنما كان يناقش ظاهرة التعصب للشيخ عبد الله البخاري، لا شخصية البخاري من جهة التصوف، ولذلك جاء كلامه كله منصباً على أتباعه الذين يحصرون الرجوع إلى العلماء في شيخهم، ويجعلونه المرجع الذي لا يُنازع، فسمَّاهم ـ على سبيل الذم لهذا المسلك ـ «صوفية البخاري»، ولم يقل قط إن عبد الله البخاري صوفي أو صاحب طريقة صوفية.
فالنص صريح لا يحتمل هذا التحريف؛ إذ قال: «وقد أكثر علينا صوفية البخاري من الحديث حول الرجوع إلى العلماء، وهم يقصدون بذلك شيخهم عبد الله البخاري فقط».
فهل قال: "عبد الله البخاري صوفي"؟ أم قال: "صوفية البخاري"؟
إن الفرق بين العبارتين كالفرق بين السماء والأرض.
فمن جعل الثانية بمعنى الأولى فقد حرَّف الكلام عن موضعه، ونسب إلى الشيخ ما لم يقله، وحمل كلامه على غير مراده، وهذه طريقة خبيثة مذمومة عند أهل السنة والجماعة.
وقد كان السلف يحذرون أشد التحذير من نسبة الأقوال إلى أصحابها بغير تثبت، لأن ذلك من الظلم الذي حرمه الله تعالى.

ثم إن الشيخ فوازاً ـ في المقال كله ـ لم يناقش قضية تصوف عند الدكتور عبد الله البخاري أصلاً، ولم يتكلم عن أصوله العقدية، ولا عن انتسابه إلى طريقة صوفية، وإنما كان يتحدث عن التعصب للأشخاص، وجعل بعض الأتباع شيخهم المرجعَ الأوحدَ لا يُلتفت عندهم إلى غيره، ولو كان من كبار العلماء.

وهذا الاستعمال معروف في لغة العلماء وطلاب العلم؛ فقد يقال: "مرجئة فلان"، و"حدادية فلان"، و"مقلدة فلان"، و"أتباع فلان"، ويراد بذلك جماعة تنتسب إليه أو تتعصب له، لا أن الوصف عائد إلى ذلك الشخص نفسه.

فكيف يُترك هذا الفهم الظاهر المتبادر، ويُصار إلى دعوى أن الشيخ حكم على عبد الله البخاري بالصوفية أو البدعة؟!

بل إن المقال ـ على قوته وشدته في الحق ـ لا يتضمن حكماً صريحاً بتبديع الدكتور عبد الله البخاري، وإنما يتضمن جملةً من الانتقادات المنهجية والدعوية التي يرى الشيخ فواز المدخلي أنها تؤثر في أهليته للمرجعية الدعوية العامة – وحقاً رأى-، ومن أبرزها:
1- انتقاد تضخيم المرجعية الشخصية:
فقد أنكر الشيخ فواز على المتعصبين للبخاري جعلَه المرجع الأوحد في النوازل والفتن، مع وجود علماء ومشايخ آخرين لهم باع طويل في معالجة الإشكالات الدعوية - كالشيخ نزار بن هاشم والشيخ علي الحذيفي حفظهما الله - ورأى أن هذا المسلك نوع من التعصب للأشخاص لا ينسجم مع أصول المنهج السلفي القائم على الرجوع إلى الحق لا إلى الأفراد.
2- انتقاد ضعف الحضور في الفتن الدعوية الكبرى:
فقد قرر الشيخ فواز حفظه الله أن عبد الله البخاري لم يكن له حضور مؤثر في كثير من الفتن التي عصفت بالساحة السلفية، وأن مواقفه كانت أقل ظهوراً وتأثيراً من مواقف غيره من المشايخ الذين تصدروا لمعالجة تلك النوازل وبيان الحق فيها.

3- انتقاد التردد أو الإعراض عن معالجة بعض النزاعات:
ومن أبرز ما أخذه الشيخ فواز على الدكتور عبد الله البخاري أنه ـ بحسب ما ساقه من وقائع وأمثلة ـ لم يقم بالدور الذي يتناسب مع ما يرفعه له أتباعه من منزلة المرجعية العامة في الساحة السلفية؛ إذ ذكر جملة من الخصومات والنزاعات التي وقعت بين السلفيين في عدد من البلدان، ثم بيَّن أن البخاري لم يبادر إلى معالجتها معالجة العالم الناصح الجامع للكلمة، ولم يتصدَّ لرفع المظالم، ولم يُظهر موقفاً حاسماً يقطع مادة النزاع ويعيد الأمور إلى نصابها.

بل إن الشيخ فوازاً أراد أن يقرر أن كثيراً من هذه القضايا عُرضت على الشيخ البخاري أو طُلب منه التدخل فيها، ومع ذلك لم يظهر منه ما يُنتظر من المرجع الذي يُدعى الناس إلى التحاكم إليه والرجوع إلى كلمته، فكان هذا عنده من أقوى الأدلة على وجود فجوة بين الدعوى التي يرفعها أتباعه حول مكانته في الساحة، وبين الواقع العملي لمشاركته في إصلاح ذات البين ومعالجة الفتن.

4- انتقاد الانحياز لبعض الأطراف وعدم التجرد في الخصومات:
وهذا من أشد محاور النقد في المقال وأقواها؛ فإن الشيخ فوازاً لم يكتف بمجرد وصف بعض المواقف بالخطأ أو التقصير، بل سعى إلى إقامة ما يراه شواهد وقرائن على أن الدكتور عبد الله البخاري لم يكن متجرداً التجرد المطلوب في عدد من النزاعات الدعوية، وأنه تعامل مع بعض الأطراف بمعيار، ومع خصومهم بمعيار آخر، وأنه كان أكثر ميلاً إلى من تربطه بهم علاقة، بينما لم يُظهر الدرجة نفسها من الحزم أو الإنصاف مع الأطراف الأخرى، وأن هذا المسلك ـ بلا شك ـ يقدح في كمال العدالة المطلوبة في باب الإصلاح بين المتنازعين.

ولهذا كرر الشيخ فواز الإشارة إلى عدد من الوقائع التي رأى فيها أن البخاري امتنع عن الإنكار على بعض المنتسبين إليه أو المقربين منه، أو لم يعاملهم بما عامل به غيرهم، ليستنتج من ذلك أن المشكلة ليست مجرد خطأ عارض في التقدير، وإنما خلل في ميزان التعامل مع الخصومات الدعوية.

ومن هنا بنى الشيخ فواز اعتراضه الرئيس، وهو أن من يُراد تقديمه مرجعاً عاماً للسلفيين لا بد أن يكون ظاهراً في التجرد والإنصاف، بعيداً عن مواطن التهمة، بحيث يطمئن جميع المتنازعين إلى أن القريب والبعيد، والموافق والمخالف، سواء عنده في إقامة الحق والحكم بالعدل.
5- انتقاد مواقفه السياسية المتعلقة بالسودان:
حيث يرى الشيخ فواز – ووفق في ذلك -أن بعض كلام البخاري في تلك الأحداث تضمَّن أخطاءً في باب السمع والطاعة ومناصحة ولاة الأمور، وأنه لم يتعامل مع القضية بالموقف الذي يراه موافقاً لمنهج أهل السنة في تلك النازلة.

6- انتقاد أسلوب إدارة الخلاف:
ومن ذلك ما ذكره من عدم الاستجابة لبعض طلبات التحاكم أو المناصحة، ومن حظر بعض المخالفين له أو الامتناع عن التواصل معهم، مما عدَّه الشيخ فواز دليلاً على عدم الانفتاح على معالجة الإشكالات معالجةً علميةً عادلة.

7- انتقاد الأثر العملي لمشروعه الدعوي:
إذ خلص الشيخ فواز ـ ووفق في ذلك ـ إلى أن البخاري لم يقدم للساحة السلفية من الإصلاح وجمع الكلمة ومواجهة الفتن ما يؤهله لأن يكون المرجعية الأوحد التي يطالب أتباعه الناس بالرجوع إليها.

فهذه الانتقادات التي وجَّهها الشيخ فواز ـ على قوتها وشدتها ـ إنما دارت حول المواقف الدعوية، وإدارة الفتن والخلافات، ومدى صلاحية الدكتور عبد الله البخاري للمرجعية العامة في الساحة السلفية، ولم تتضمن حكماً صريحاً بتبديعه أو إخراجه من دائرة السلفية، كما يحاول بعض المتعصبين أن يوهموا به الناس ويشوشوا به على طلاب العلم، مستغلين العبارات المجملة والمقتطعة لإثارة العواطف وكسب الأنصار، مع أن الرجوع إلى النص كاملاً يبين بجلاء أن محل النزاع هو المواقف والتصرفات والتقديرات الدعوية، لا الحكم على الرجل بالخروج من منهج السلفية أو الانتساب إلى البدعة.
ومن العجيب أن بعض المتعصبين يزعمون الدعوة إلى العدل والإنصاف، ثم يحملون كلام مخالفيهم على غير مراده، وينسبون إليهم ما لم يقولوه، مع أن الله تعالى أمر بالعدل حتى مع المخالف، فقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

فالواجب ردُّ كلام العلماء والمشايخ إلى مقاصدهم، لا إلى أوهام المتعصبين وتأويلات المتقولين، فإن من أعظم الظلم أن يُنسب إلى العالم أو الشيخ أو أي أحد ما لم يقله، أو يُلزَم بما لم يلتزمه.

ونسأل الله أن يرزق الجميع العدل والإنصاف، وأن يجنب أهل السُّنَّة مسالك التعصب والافتراء.

من ضمن (سلسلة الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)

مواد ذات صلة