الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

قصة... وعبرة

٣٠ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ١٧ مايو ٢٠٢٦
المقالاتالرقائق والآداب
قصة... وعبرة

يُحكى أنَّ الوليد بن يزيد كان قد طلَّق زوجته (سُعدى)، وكانت قد ملكت عليه قلبه، واستولت على فؤاده، فلما فارقته وتزوَّجت بغيره اشتعلت في صدره نيران الندم، وضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وصار يذكرها في خلواته، ويتحسَّر على ما فرَّط فيه من وصلها، بعد أن كانت قريبة الدار، ساكنة القلب، حاضرة الروح والذكرى.
وما أشدَّ حسرةَ الإنسان على ما أضاع بيده! فإن النفوس قد تزهد في النعمة وهي بين أيديها، فإذا ارتحلت أبصرت قدرها، ولكن بعد أن يُغلق باب الرجوع، ويذهب زمان التدارك، ويصبح الماضي نارًا تتأجج في الذاكرة، لا سبيل إلى إطفائها.
وبينما هو في بعض مجالسه إذ دخل عليه أشعب، وكان مضرب المثل في الطمع، معروفًا بخفة الروح، وحسن التخلص من الأزمات، وجودة الجواب.
فقال له الوليد: — يا أشعب، هل لك أن تحمل إلى سُعدى رسالة، ولك عندي خمسة آلاف درهم؟
فقال أشعب — وقد برق الطمع في عينيه، واهتزَّ قلبه للدنانير -: عجِّلها أصلح الله الأمير!
فأمر له بها، فلما قبض الدراهم، ضمَّها إلى صدره ضمَّ المحبِّ لمحبوبه، ثم قال: — هات رسالتك.
فقال الوليد: — ائتها وأنشدها:
أَسُعْدَى هَلْ إِلَيْكِ لَنَا سَبِيلُ
وَلاَ حَتَّى القِيَامَةِ مِنْ تَلاقِ؟
بَلَى وَلَعَلَّ دَهْراً أَنْ يُؤَاتِي
بِمَوْتٍ مِنْ خَلِيلِكِ أَوْ فِرَاقِ
فانطلق أشعب حتى بلغ دار سُعدى، فاستأذن، فأذنت له، وقالت متعجبة: — ما بدا لك في زيارتنا يا أشعب؟ فما عهدناك تزور إلا لطمعٍ أو منفعة!
فقال: — يا سيدتي، أرسلني إليك الوليد برسالة.
ثم أنشدها الأبيات.
فلما سمعتها تغيَّر وجهها، وعرفت ما وراء الكلمات من لهب الحسرة ومرارة الندم، وقالت لجواريها: — عليكنَّ بهذا الخبيث!
ففزع أشعب، وانتفض كأنما وقع عليه حكمٌ بالهلاك، ثم قال: — يا سيدتي، إنما جعل لي على ذلك خمسة آلاف درهم!
فقالت: — والله لا أتركك حتى تبلغ الوليد جوابي.
قال — وقد عرف أن باب الأجرة لم يُغلق بعد —: — اجعلي لي على ذلك جعلاً.
فقالت: — لك هذا البساط.
فقال في لهفة الطامع: — قومي عنه!
فقامت، فحمله على ظهره، كأنما ظفر بكنزٍ لا ببساط، ثم قال: — هاتي رسالتك.
فقالت:
أتبكي على سُعدى وأنتَ تركتَها؟
فَقَدْ ذَهَبَتْ سُعْدَى فَمَا أَنْتَ صَانِعُ؟
فوقع البيت من قلب الوليد موقع السهم النافذ، إذ جمع لوعة العتاب، ومرارة الحقيقة، فإن أشدَّ الكلام إيلامًا ما وافق موضع الندم.
فعاد أشعب إلى الوليد، وأنشده الجواب.
فما إن سمعه حتى اضطرب قلبه، وضاقت عليه نفسه، وهاج به الغضب والحسرة، حتى كأن القصر بما اتسع قد ضاق عليه، ثم قال لأشعب: — اختر واحدة من ثلاث: إما أن أقتلك، وإما أن أطرحك من أعلى القصر، وإما أن ألقيك إلى السباع فتفترسك!
فتحير أشعب، وأطرق مليًّا، ثم رفع رأسه وقال في دهاء الظرفاء، وحسن التخلص: — يا سيدي، ما كنتَ لتعذّب عينًا نظرت إلى سُعدى!
فانقلب الغضب ضحكًا، وتحوّل السخط عجبًا، وخلى سبيله.

وفي هذه القصة عبرٌ وعظاتٌ جليلة:
فمنها: أنَّ كثيرًا من الناس لا يعرف قدر النعمة إلا بعد زوالها، فإذا خرج الشيء من يده عرف قيمته، وصدق القائل: الإنسان أسيرُ ما فقد، زاهدٌ فيما ملك، حتى إذا ضاع منه بكى عليه بكاء الثكالى.
ومنها: أن الطلاق باب خطير، قد يفتحه المرء ساعة غضب، ثم يقضي عمره يندب ما فرّط فيه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
فكم من بيتٍ هدمته لحظة طيش، وكم من قلبٍ أحرقه التسرع، وكم من إنسانٍ باع سعادته بلفظة غضب، ثم جلس بعد ذلك على رماد الذكريات يتحسر، ويجمع شتات الندم حيث لا ينفع الندم.
ومنها: أن الهوى إذا استحكم أذلَّ صاحبه، وربما حمله على التمني المحرم، كما وقع للوليد حين تمنى الموت أو الفراق لزوج سُعدى.
فالهوى نارٌ متى أطلق العبد لها العنان أحرقت دينه وعقله وطمأنينته، وربما صيَّرته عبدًا لشهوة عابرة أو ذكرى زائلة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
ومنها: أنَّ الطمع قد يحمل صاحبه على اقتحام المهالك، غير أن الظرف وحسن التخلص قد ينجيان صاحبه أحيانًا، كما صنع أشعب.
ومنها: أن البلاغة وحضور الجواب قد يكون من أسباب النجاة، فإن الكلمة اللطيفة قد تطفئ غضبًا، وتدفع شرًّا، وتفتح باب عفو؛ ورب كلمةٍ رقيقةٍ دفعت سيفًا، وأطفأت نارًا، وجبرت خاطرًا مكسورًا.
وفي القصة كذلك عبرةٌ لأولي الألباب، ودلالةٌ بيّنةٌ على تقلُّب القلوب، وتصرّف الأيام بالعباد؛ فالدنيا لا تثبت على حال، ولا يدوم فيها وصلٌ ولا صفاء، وإنما هي دارُ تحوُّلٍ وانتقال، تُضحك اليومَ وتُبكي غدًا، وتجمع حينًا ثم تفرّق حينًا.
فالدنيا لا تحفظ عهدًا، ولا ترعى ودًّا، وإنما هي سوقُ تقلّبٍ وابتلاء؛ يصبح فيها القريب بعيدًا، والمحب مفارقًا، والضاحك باكيًا، والغافل نادمًا.
فكم من مُحبٍّ بات يظن أن الوصال لا ينقطع، ثم أصبح غريبَ الدار، موحشَ القلب، يقتات على الذكريات والآهات! وكم من إنسانٍ باع نعمةً كانت بين يديه، فلما خرجت من كفّه عرف قدرها، ولكن بعد فوات الأوان.
ولهذا كان العاقل من ضبط عاطفته بميزان الشرع، ولم يجعل الهوى قائدَه، فإن الهوى إذا استحكم أعمى وأصمّ، وربما جرّ صاحبه إلى الندم الطويل، والحسرة التي لا تنقضي.
قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
فالسعيد حقًّا من كان قلبه معلّقًا بالله، راضيًا بقضائه، مستسلمًا لحكمه، يعلم أن ما مضى لن يعود، وأن الخير كل الخير في التسليم للرب الحكيم، لا في التحسر على فائتٍ، ولا في التعلّق بسراب الذكريات، فإن من علّق قلبه بالله سلِم، ومن علّقه بالمخلوقين تألّم.
قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾، وقال النبي ﷺ: «احرِصْ على ما يَنفَعُكَ، واستَعِنْ باللهِ ولا تَعجِزْ، وإن أصابَكَ شَيءٌ فلا تَقُلْ: لو أنِّي فعَلتُ كان كَذا وكَذا، ولَكِن قُلْ: قدَرُ اللهِ وما شاءَ فعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفتَحُ عَمَلَ الشَّيطانِ» رواه مسلم.
والحمد لله رب العالمين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه الإسكندرية بعد ظهر الخميس ٢٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هجرية
قصة... وعبرة

مواد ذات صلة