الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

الحلقة الخامسة من

١ شوال ١٤٤٧ هـ٢٠ مارس ٢٠٢٦
المقالاتالمنهج والدعوة السلفية
الحلقة الخامسة من:

سلسلة: (قراءةٌ منهجيةٌ في مختاراتٍ من كلام شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله)


قوله رحمه الله: «أيُّ خيانةٍ أكبرُ من خذلانِ أهلِ السُّنَّةِ ونُصرةِ فِرَقِ الضَّلالِ عليهم» (المجموع) [13/418].
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أحمدُه سبحانه حمدًا يليقُ بجلاله وكماله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد:
فإنَّ هذه الكلمة الموجزة في ألفاظها، العميقة في معانيها، من كلام شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله ليست عبارةً عارضةً تُقال في سياق جدلٍ عابر، ولا جملةً إنشائية تُلقى في مقام الخطابة، بل هي قاعدةٌ منهجيةٌ راسخة، تكشف ميزانَ الولاء والبراء، وتُظهر حدَّ الفاصل بين نصرة السنة وخذلانها، وبين الصدق في نصرة الحق والتورط في إعانة الباطل.
وإذا تأمل طالب العلم هذه الكلمة، وجدها تختصر تاريخًا طويلًا من الصراع بين السنة والبدعة، والحق والباطل، وأهل الأثر وأهل الأهواء.
ولذلك كان من تمام الفقه في المنهج أن نقف معها وقفاتٍ منهجيةً تبين مرادها، وتكشف ما انطوت عليه من المعاني الجليلة.

الوقفة الأولى: نصرة السنة أصلٌ من أصول الدين:

إن نصرة السنة ليست قضيةً هامشية، ولا مسألةً فرعية تُجعل في ذيل الاهتمامات، بل هي من أعظم شعائر الدين، وأجلِّ القربات إلى رب العالمين.
فالسنة هي البيان العملي للقرآن، وهي النور الذي يُهتدى به في ظلمات الفتن، فإذا نُصرت السنة نُصر الدين، وإذا ضُيِّعت ضاع معالمه.
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
ولا ريب أن التواصي بالحق يشمل الذبَّ عن السنة، والقيام بحراستها، ونصرة أهلها، والتحذير من أعدائها.
وقد أخبر النبي ﷺ ببقاء طائفةٍ منصورة تحفظ هذا الدين، فقال: «لَا تَزَالُ ‌طَائِفَةٌ ‌مِنْ ‌أُمَّتِي ‌ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمُ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ» متفق عليه.
وهذه الطائفة – كما قرره أئمة الإسلام – هي أهل الحديث والسنة، الذين جعلهم الله حراس العقيدة، وحملة الشريعة، يذبُّون عن حياضها، ويكشفون شبه المبطلين.

الوقفة الثانية: خذلان أهل السنة خيانةٌ للحق:

الخذلان في ميزان الشرع ليس مجرد ترك النصرة عند الحاجة، بل هو صورةٌ من صور الغدر بالحق، وتضييعٌ لأمانة الدين، وتفريطٌ في واجب الذبِّ عن السُّنَّة وأهلها.
فالخذلان قد يكون بالفعل، وقد يكون بالقول، وقد يكون بالصمت المريب حين يجب البيان، بل قد يكون بالتلبيس والتلطف في نصرة الباطل حتى يظنه الناس حقًا.
وهو يتجلَّى في صورٍ كثيرة، منها:
1- السكوت عن الباطل حين يُجاهر به أهله:
فإذا ظهرت البدعة، وارتفعت أصوات أهلها، وسكت من عنده علمٌ وبصيرة، فقد فتح للباطل بابًا، ومهَّد له طريقًا، لأن الباطل إن لم يُدفع في مبدئه تمدد في الناس وانتشر، وقد قال الله تعالى: ﴿ ‌لُعِنَ ‌الَّذِينَ ‌كَفَرُوا ‌مِنْ ‌بَنِي ‌إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (78) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المَائدة: 78-79].

2- التهوين من أخطاء أهل البدع:
وذلك بأن تُصوَّر بدعهم على أنها مسائل يسيرة، أو خلافات علمية محتملة، أو اجتهادات يُعذر فيها صاحبها، مع كونها في الحقيقة أصولًا تضرب عقيدة السلف أو منهجهم.
وهذا التهوين يفتح باب التلبيس على العامة، حتى تختلط السنة بالبدعة، ويُظن الضلال هدى.

3- الطعن في علماء السنة والتشكيك في مواقفهم:
فإذا قام العلماء بالتحذير من أهل الأهواء، تصدَّى لهم من يلمزهم بالغلو، أو التشدد، أو التشهير بالناس، أو تضخيم الأخطاء.
وهذه طريقة قديمة لأهل البدع؛ فإذا عجزوا عن إسقاط الحجة أسقطوا حاملها، وإذا لم يستطيعوا رد الدليل طعنوا في قائله.

4- تسوية الحق بالباطل تحت شعارات الإنصاف المزعوم:
فيُقال: هؤلاء علماء، وهؤلاء علماء، وكلهم على خير، أو يقال: الخلاف بينهم لا ينبغي أن يفرِّق الناس.
وهذا في الحقيقة طمسٌ للحد الفاصل بين السُّنَّة والبدعة، لأن الإنصاف الحقيقي هو وضع كل شيء في موضعه، لا خلط الحق بالباطل باسم الاعتدال.

5- الدفاع عن أهل البدع أو تبرير أخطائهم:
فيُتصدَّى للدفاع عنهم، ويُعتذر لهم، وتُحمَل أقوالهم على أحسن المحامل، مع وضوح انحرافهم، فيتحول الدفاع عنهم إلى جسرٍ يعبرون به إلى قلوب الناس وعقولهم.

6- نشر كلام أهل البدع وترويج كتبهم ومحاضراتهم:
فمن أعظم الخذلان أن يكون المرء سببًا في نشر باطلهم، فيعيد نشر كلامهم، أو يثني على كتبهم، أو يدعو الناس لسماعهم، فيكون بذلك مبلِّغًا للبدعة من حيث يشعر أو لا يشعر.
7- الطعن في منهج التحذير من البدع وأهلها:
فيُقال: لا ينبغي التحذير من الأشخاص، أو يقال: يكفي التحذير من الخطأ دون ذكر قائله.
وهذا خلاف طريقة السلف؛ فإنهم كانوا يسمُّون أهل البدع ويحذرون منهم صيانةً للدين.

8- الوقوف موقف الحياد بين السُّنَّة والبدعة أو بين المختلفين في أصول المنهج:
ومن صور الخذلان كذلك: أن يقف المرء موقف الحياد حين يشتدُّ النزاع بين الحق والباطل، فيقول: لسنا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، أو يقول: لا ندخل في هذه القضايا، أو يلبس الأمر بثوب الترفُّع عن الخلاف، وكأن البيان في موطن البيان فضول، وكأن نصرة السنة خصومة شخصية.

وهذا المسلك ـ في ميزان منهج السلف ـ ليس ورعًا محمودًا، ولا حكمةً مشروعة، بل هو في كثيرٍ من الأحوال تخلٍّ عن نصرة الحق، وتركٌ لواجب البيان الذي أوجبه الله على أهل العلم.

فإن السلف رحمهم الله لم يكونوا يقفون موقف المتفرِّج حين تظهر البدع أو تلتبس القضايا العظام، بل كانوا يصدعون بالحق، ويبيِّنون السُّنَّة، ويحذرون من الخطأ وأهله؛ صيانةً للدين، وحفظًا لعقائد المسلمين.
وقد قال الله تعالى: ﴿ ‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌يَكْتُمُونَ ‌مَا ‌أَنْزَلْنا ‌مِنَ ‌الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]. وقال الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله: إذا سكت العالم تقيةً، والجاهل لا يعلم، فمتى يتبين الحق؟
فكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يرى أنَّ العالم إذا تبيَّن له الحق لم يجز له أن يتوارى خلف ستار التقيَّة، ولا أن يلوذ بالصمت في موطن البيان؛ لأن العلماء العاملين الذين يصدعون بالحق في أزمنة الفتن قِلَّة، فإذا سكت من يعلم، وضاع صوت من يبيِّن، اختلط الهدى بالضلال، واشتبهت السُّنَّة بالبدعة.
فإن الحجة إنما تقوم ببيان أهل العلم، والدين إنما يُصان بصدعهم بالحق، لا بكتمانهم له.
ولهذا أنكر الإمام أحمد أشدَّ الإنكار على من آثر السلامة وسلك طريق التقيَّة في فتنة القول بخلق القرآن، ورأى أن السكوت في مثل هذا المقام خذلانٌ للحق، وتمكينٌ للباطل.

فثبت رحمه الله ثبات الجبال الرواسي، وصبر صبر الأئمة الصادقين، لا تلين له قناة، ولا ينكسر له عزم، حتى قام بالحق في زمنٍ اضطربت فيه القلوب، وتفرَّق فيه الناس بين خائفٍ ومترددٍ ومساير.

فصمد هو وقلةٌ من أهل العلم معه، حتى رفع الله بهم لواء السنة، وأطفأ بهم البدعة، وأبقى ذكرهم، وجعل ثباتهم منارًا لأهل الحق إلى يوم الدين
ولهذا فإن الحياد في مثل هذه المواطن يفتح باب اللبس على الناس، ويجعل العامة في حيرةٍ بين الحق والباطل، إذ الحق لا يُعرف إلا ببيان أهله، والباطل لا يُدفع إلا بكشفه.

وقد رأينا في بعض القضايا المنهجية المعاصرة كيف آثر بعض المشايخ الصمت أو التوقف، مع كون المسألة تمسُّ أصلًا عظيمًا من أصول منهج أهل السُّنَّة، وهو باب السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، وهو أصلٌ دلَّ عليه الكتاب والسنة، وتتابع عليه أئمة السلف.

فكان الواجب في مثل هذه المواطن البيان والوضوح، لا الوقوف في منطقة رمادية تُوهم التساوي بين الأقوال، أو تُضعف موقف السُّنَّة في نفوس الناس.

فإن الحق إذا لم يُنصر ضعف، والباطل إذا لم يُكشف قوي، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55].
فاستبانة سبيل المجرمين لا تكون إلا ببيان سبيل المؤمنين، وكشف سبيل المخالفين.
فإذا اجتمعت هذه الصور أو بعضها، تكونت صورة الخذلان الذي حذَّر منه أهل العلم، لأن نصرة الباطل لا تكون دائمًا برفع رايته صراحة، بل قد تكون بتثبيط أهل الحق، أو إضعافهم، أو التشكيك فيهم، أو التهوين من خصومهم.

ولهذا كانت كلمة شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي - رحمه الله - كلمةً جامعةً كاشفةً، إذ بيَّن أن أعظم الخيانة ليست في مجرد الوقوع في الخطأ، بل في خذلان أهل السُّنَّة وتمكين أهل الضلال.
ولهذا كان خذلان أهل السُّنَّة خيانةً مركبة: خيانةً للدين، وخيانةً للعلم، وخيانةً لأمانة البلاغ. قال الله تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ‌وَتَخُونُوا ‌أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]، وقال النبي ﷺ: « الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ‌لَا ‌يَظْلِمُهُ، ‌وَلَا ‌يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ » رواه مسلم.
فإذا كان خذلان المسلم مذمومًا في أصل الشرع، فكيف بخذلان أهل السُّنَّة الذين يحملون ميراث النبوة؟ إن خذلانهم في الحقيقة خذلانٌ للسنة نفسها.

الوقفة الثالثة: نصرة أهل البدع إعانةٌ على هدم الدين:
إن أخطر ما يقع فيه المرء في زمن الفتن أن يتحول – بقصد أو بغير قصد – إلى جسرٍ تعبر عليه البدع إلى عقول الناس وقلوبهم.
فأهل الأهواء لم ينتشروا في تاريخ الإسلام بقوة الدليل، وإنما انتشروا بمساندة المتعاطفين، وسكوت المترددين، ومداهنة المتأولين.
ولهذا جاء النهي الشرعي عن التعاون مع الباطل، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. فالدفاع عن أهل البدع، أو تلميعهم، أو التهوين من خطرهم، نوعٌ من التعاون على الإثم والعدوان.
وقد كان السلف شديدين في حماية السنة من هذا المسلك، قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته.
وإنما كان الاستخفاف بالعلماء خطيرًا؛ لأنهم حراس الشريعة، وأمناء الملة، وحملة ميراث النبوة.

الوقفة الرابعة: منهج السلف في نصرة الحق:


إنَّ السلفَ الصالح رحمهم الله كانوا أربابَ صدقٍ في نصرة السُّنَّة، وأهلَ عزمٍ في بيان الحق، يصدعون به غير هيَّابين، ويعلنونه غير مترددين، لا يحجزهم عنه لومُ لائم، ولا يصدَّهم عنه كيدُ كائد؛ نصرةُ السُّنَّة عندهم دينٌ يُدان، وذبُّهم عنها عبادةٌ يتقربون بها إلى رب العالمين.

فلم يكونوا يعرفون مداهنةً في العقيدة، ولا مساومةً في المنهج، بل كانوا إذا ظهرت السُّنَّة نصروها، وإذا برزت البدعة حذَّروا منها، وإذا انتشرت الشُبهة كشفوها وبيَّنوا زيفها، حتى يبقى الدين صافياً كما جاء به رسول الله ﷺ.
فهم أنصار السُّنَّة وحراس الشريعة؛ ينصرون الحق إذا خُذل، ويُحيون السُّنَّة إذا أُميتت، ويكشفون الباطل إذا تلثَّم بلباس الحق.

ولذلك كان علماء السلف يقفون على ثغور العقيدة وقوف الحراس الأمناء؛ يذبّون عن السُّنَّة بألسنتهم وأقلامهم، ويجاهدون بالبيان جهادًا لا يقل شأنًا عن جهاد السِّنان، صيانةً للدين من التحريف، وحفظًا للعقيدة من التبديل.

فببيانهم تنجلي الشبهات، وتنكشف الضلالات، ويهتدي الحائر، ويثبت المؤمن؛ وصدق الله إذ يقول: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.

فكان منهجهم ـ رحمهم الله ـ الوضوح في الحق، والصرامة مع البدعة، والرحمة بالأمة ببيان الطريق المستقيم؛ حتى يبقى نور السُّنَّة مشرقًا، ولو كثرت الظلمات من حوله.
وإنَّ كلمة شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي - رحمه الله - ليست عبارةً عابرة تُقال في سياقٍ عارض، ولا جملةً إنشائية تُلقى في مقام الجدل، بل هي ميزانٌ منهجيٌّ دقيق تُوزن به المواقف، وتنكشف به الحقائق، ويتميَّز به صدق الدعوى من زيفها، ووضوح المنهج من غبش التلبيس.
ذلك لأن أعظم الخيانة: خذلانُ أهل السُّنَّة عند حاجتهم إلى النصرة، والطعنُ في العلماء الذين يذبُّون عن حياضها ويكشفون الباطل، ونصرةُ أهل الأهواء والبدع على أهل الحق، أو التهوينُ من ضلالاتهم وترويجُ شبهاتهم.

ومن الخيانة كذلك تمييعُ المنهج، وطمسُ الفوارق بين السُّنَّة والبدعة، تحت شعاراتٍ براقةٍ تخدع السامعين؛ كشعار لمِّ الشمل، والإنصاف المزعوم، وترك الخوض في الفتن، وما شاكلها من العبارات التي تُتخذ ستارًا لترك البيان، وذريعةً للتنصل من نصرة الحق.

وما هي في حقيقتها إلا ألفاظٌ لينة تخفي وراءها مواقف رخوة، ومناهج رمادية لا تنصر الحق صراحة، ولا تبرأ من الباطل وضوحًا؛ حتى تختلط المعالم، وتضيع الحدود بين أهل السنة وأهل الأهواء.
فرحم الله إمامَنا رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والسُّنَّة خير الجزاء؛ فلقد جاهد في نصرة الحق جهاد الصادقين، وذبَّ عن حياض السُّنَّة ذبَّ الحراس الأمناء، وكشف شبه أهل الأهواء ببيانٍ ناصعٍ وحجةٍ دامغة، حتى صار علمًا من أعلام الدفاع عن منهج السلف، ومنارًا يهتدي به طلاب الحق في زمن اشتباه السبل وكثرة الفتن.
وجعلنا الله من خيرِ خَلَفٍ لخيرِ سَلَف، نقتفي آثارهم، ونستلهم هديهم، ونرفع لواء السُّنَّة كما رفعوه، ونحرس حياضها كما حرسوها، ونصبر على نصرتها كما صبروا، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية من الديار المصرية حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين.
الاثنين 20 رمضان 1447 هـ.

مواد ذات صلة