تقلب المواقف وأثره في اضطراب الدعوة وحيرة طلاب العلم... وفيه: اعتذار للشيخ علي الحذيفي العدني
مقال بعنوان: (تقلب المواقف وأثره في اضطراب الدعوة وحيرة طلاب العلم... وفيه: اعتذار للشيخ علي الحذيفي العدني)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإني – وأنا واحد من كثيرين – قد سمعتُ جواب الشيخ البخاري - عفا الله عنه - عن مسألة الحاكم الشرعي في اليمن، فوقع في نفسي منه عجبٌ شديد، لا سيما لما تضمنه من إيراداتٍ غير موفَّقة، وتقريراتٍ لم تُحرَّر على أصول أهل السنة تحريرًا منضبطًا، وكأن السؤال في واد والإجابة في واد آخر، فاستشكلتُ ذلك غاية الاستشكال، وتعجبتُ من هذا المسلك بعد هذا الصمت المخيف.
غير أن أحد الأفاضل – جزاه الله خيرًا – نبهني إلى أمرٍ - آخر- جديرٍ بالتأمل، وهو أنَّ كثيرًا مما قال الشيخ البخاري - عفا الله عنه - اليوم، أو لوَّح به، أو قرَّره على استحياء، قد قرَّره من قبلُ بوضوحٍ وجهر به الشيخ أبو عمار علي الحذيفي العدني - وفقه الله -، ثم قوبل آنذاك بالتشنيع، والتهوين، والطعن في النيات والمقاصد.
فإنَّ مما يؤلم أهل الإنصاف، ويستوقف طلاب العلم، ما صدر عن الشيخ البخاري ومن معه من العدنيين من هجومٍ شديدٍ قديم على الشيخ علي الحذيفي العدني، لا لخللٍ في أصوله، ولا لانحرافٍ في منهجه، وإنما لثباته – آنذاك – على القول بالشرعية، وموقفه الواضح من التحالف، في وقتٍ اختلطت فيه الأصوات، واضطربت فيه المواقف.
وقد بلغ الأمر أن وُصِفت كتابات الشيخ عليٍّ بأنها: «كتابات لا يكتبها الصبيان» في تعبيرٍ يحمل قدحًا صريحًا، وتحقيرًا ظاهرًا، لا يليق بخطابٍ علمي، ولا بمنهجٍ سلفيٍّ يُفترض فيه العدل والإنصاف.
والشيخ علي الحذيفي العدني – حفظه الله – قدَّم في هذه المسألة مثالًا للثبات على ما يراه حقًّا، مع وضوح العبارة ومسؤولية الكلمة، فلم تمنعه شدَّة المخالفين ولا تقلُّبات الواقع من بيان موقفه.
فجزاه الله خيرًا على صدقه وصبره، ونسأل الله أن ينفع بعلمه، ويجزيه عن تحمُّله وأدبه أحسن الجزاء.
ثم ها نحن اليوم نُفاجأ بانقلابٍ في الخطاب، وتحوِّلٍ في الاتجاه، حيث عاد الشيخ البخاري –وفقه الله- نفسه يدعو إلى الشرعية، ولكن بغير بوضوحٍ وثبات، بل على وجلٍ وخجل، وبعباراتٍ مترددة، وكأنها تُساق سوقًا لا اقتناعًا.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا مهرب منه:
إن كانت الشرعية باطلًا بالأمس، فكيف صارت حقًا اليوم؟ وإن كان القول بها «سذاجة صبيان»، فكيف صار هو نفس القول الذي يُدعى إليه الآن؟
وإن كان الشيخ علي الحذيفي مخطئًا ضالًا في هذا الباب، فلماذا لم يُبيَّن خطؤه بالحجة، بدل الاكتفاء بالتجريح والسخرية؟
إن الرجوع إلى الحق فضيلة، لا يُعاب صاحبها، بل يُحمد عليها، لكن الذي يُعاب – كل العيب – هو: التشنيع على من سبقك إلى الحق، ثم اللحاق به بعد سنين، دون اعتذار، ولا إنصاف، ولا اعتراف بالخطأ.
وهذا – والله – ليس من منهج السلف، فالسلف كانوا: «يحبُّون الحق ممن جاء به، ويعرفون للناس أقدارهم، ولا يحملهم الخلاف على الظلم»، فإن كان الشيخ عليٌّ قد أصاب، فواجب ذلك الإقرار له، وإن كان قد أخطأ، فليُبيَّن خطؤه بعلم وعدل، لا بتوهينٍ جارح، ثم تقليدٍ صامت بعد حين.
فعن عبد الرحمن بن مهدي قال: (كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن العنبري، وهو يومئذ قاضي البصرة، وموضعه في قومه وقدره عند الناس فتكلم في شيء فأخطأ، فقلت - وأنا يومئذ حدث - ليس هكذا يا أبي عليك بالأثر، فتزايد علي الناس. فقال عبيد الله: دعوه، وكيف هو؟ فأخبرته فقال: صدقت يا غلام، إذا أرجع إلى قولك وأنا صاغر) اهـ. كما في (حلية الأولياء) لأبي نعيم [9/ 6].
وقال ابن كثير رحمه الله في (البداية والنهاية) [13/34]: (وقد صنَّف الحافظ عبد الغني المقدسي كتابًا فيه أوهام الحاكم، فلما وقف عليه الحاكم جعل يقرؤه على الناس ويعترف لعبد الغني بالفضل، ويشكره على ذلك، ويرجع إلى ما أصاب فيه من الردِّ عليه - رحمهما اللَّه -) اهـ. وكان العلامة عبد الغني المقدسي - رحمه الله - يشيد بموقف الحاكم رحمه الله يقول: (لما رددت على أبي عبد الله الحاكم [الأوهام التي في المدخل] بعث إلي يشكرني، ويدعو لي، فعلمت أنه رجل عاقل) اهـ كما في (سير أعلام النبلاء) للذهبي [17 /270].
وختامًا:
إن هذه المواقف المتقلِّبة، بين صمتٍ يُشبه صمت القبور في مسائلَ جسام، وتكميمٍ للأفواه، وبين تردُّدٍ وخجلٍ في بيان ما يُرى حقًّا، لا تخدم الدعوة السلفية بحال، بل تفتح باب التشكيك في صدق الخطاب، وتُضعف ثقة الناس بالناصحين، وتؤكد أن المواقف والمدلهمات إذا لم تُبنَ على أصولٍ علميةٍ راسخة، وانقلبت بتقلُّب الواقع = كانت سببًا مباشرًا في حيرة طلاب العلم واضطراب أفهامهم، وإذكاء روح التخاصم بينهم، وتقسيمهم إلى شيعٍ وأحزاب؛ يُخطِّئ بعضهم بعضًا، ويتنازعون في القضايا بدل الاجتماع على العلم والعمل، حتى يُعطَّل الطلب، وتُهدر الأوقات، ويُنشَّأ جيلٌ على تتبُّع الأقوال المتضاربة لا على ترسيخ الأصول.
وإن من الأدب مع الدعوة ومع طلابها، بل من النصيحة الواجبة لله ورسوله وللمؤمنين، أن يُراعى أثر الكلمة ومآل الموقف، وألا يُجعل الطلاب وقودًا للتجارب ولا ميدانًا للتقلُّبات؛ فإن العبث بالمواقف أشدُّ خطرًا من الخطأ فيها، والاضطراب في البيان أوقع أثرًا وأعمق جرحًا من الخطأ المبيَّن الذي يُعرف موضعه ويُعالج بالعلم والعدل.
نسأل الله أن يرزقنا وإخواننا الصدق مع الله، والعدل مع الخلق، والثبات على الحق، والرجوع إليه بتواضعٍ وشجاعة، لا بخجلٍ ووجل. والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي - عفا الله عنه –
الإسكندرية من الديار المصرية –حفظها الله من كل مكروه وسوء- وسائر بلاد المسلمين.
الأحد: 8 رجب الفرد 1447 هـ.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإني – وأنا واحد من كثيرين – قد سمعتُ جواب الشيخ البخاري - عفا الله عنه - عن مسألة الحاكم الشرعي في اليمن، فوقع في نفسي منه عجبٌ شديد، لا سيما لما تضمنه من إيراداتٍ غير موفَّقة، وتقريراتٍ لم تُحرَّر على أصول أهل السنة تحريرًا منضبطًا، وكأن السؤال في واد والإجابة في واد آخر، فاستشكلتُ ذلك غاية الاستشكال، وتعجبتُ من هذا المسلك بعد هذا الصمت المخيف.
غير أن أحد الأفاضل – جزاه الله خيرًا – نبهني إلى أمرٍ - آخر- جديرٍ بالتأمل، وهو أنَّ كثيرًا مما قال الشيخ البخاري - عفا الله عنه - اليوم، أو لوَّح به، أو قرَّره على استحياء، قد قرَّره من قبلُ بوضوحٍ وجهر به الشيخ أبو عمار علي الحذيفي العدني - وفقه الله -، ثم قوبل آنذاك بالتشنيع، والتهوين، والطعن في النيات والمقاصد.
فإنَّ مما يؤلم أهل الإنصاف، ويستوقف طلاب العلم، ما صدر عن الشيخ البخاري ومن معه من العدنيين من هجومٍ شديدٍ قديم على الشيخ علي الحذيفي العدني، لا لخللٍ في أصوله، ولا لانحرافٍ في منهجه، وإنما لثباته – آنذاك – على القول بالشرعية، وموقفه الواضح من التحالف، في وقتٍ اختلطت فيه الأصوات، واضطربت فيه المواقف.
وقد بلغ الأمر أن وُصِفت كتابات الشيخ عليٍّ بأنها: «كتابات لا يكتبها الصبيان» في تعبيرٍ يحمل قدحًا صريحًا، وتحقيرًا ظاهرًا، لا يليق بخطابٍ علمي، ولا بمنهجٍ سلفيٍّ يُفترض فيه العدل والإنصاف.
والشيخ علي الحذيفي العدني – حفظه الله – قدَّم في هذه المسألة مثالًا للثبات على ما يراه حقًّا، مع وضوح العبارة ومسؤولية الكلمة، فلم تمنعه شدَّة المخالفين ولا تقلُّبات الواقع من بيان موقفه.
فجزاه الله خيرًا على صدقه وصبره، ونسأل الله أن ينفع بعلمه، ويجزيه عن تحمُّله وأدبه أحسن الجزاء.
ثم ها نحن اليوم نُفاجأ بانقلابٍ في الخطاب، وتحوِّلٍ في الاتجاه، حيث عاد الشيخ البخاري –وفقه الله- نفسه يدعو إلى الشرعية، ولكن بغير بوضوحٍ وثبات، بل على وجلٍ وخجل، وبعباراتٍ مترددة، وكأنها تُساق سوقًا لا اقتناعًا.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا مهرب منه:
إن كانت الشرعية باطلًا بالأمس، فكيف صارت حقًا اليوم؟ وإن كان القول بها «سذاجة صبيان»، فكيف صار هو نفس القول الذي يُدعى إليه الآن؟
وإن كان الشيخ علي الحذيفي مخطئًا ضالًا في هذا الباب، فلماذا لم يُبيَّن خطؤه بالحجة، بدل الاكتفاء بالتجريح والسخرية؟
إن الرجوع إلى الحق فضيلة، لا يُعاب صاحبها، بل يُحمد عليها، لكن الذي يُعاب – كل العيب – هو: التشنيع على من سبقك إلى الحق، ثم اللحاق به بعد سنين، دون اعتذار، ولا إنصاف، ولا اعتراف بالخطأ.
وهذا – والله – ليس من منهج السلف، فالسلف كانوا: «يحبُّون الحق ممن جاء به، ويعرفون للناس أقدارهم، ولا يحملهم الخلاف على الظلم»، فإن كان الشيخ عليٌّ قد أصاب، فواجب ذلك الإقرار له، وإن كان قد أخطأ، فليُبيَّن خطؤه بعلم وعدل، لا بتوهينٍ جارح، ثم تقليدٍ صامت بعد حين.
فعن عبد الرحمن بن مهدي قال: (كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن العنبري، وهو يومئذ قاضي البصرة، وموضعه في قومه وقدره عند الناس فتكلم في شيء فأخطأ، فقلت - وأنا يومئذ حدث - ليس هكذا يا أبي عليك بالأثر، فتزايد علي الناس. فقال عبيد الله: دعوه، وكيف هو؟ فأخبرته فقال: صدقت يا غلام، إذا أرجع إلى قولك وأنا صاغر) اهـ. كما في (حلية الأولياء) لأبي نعيم [9/ 6].
وقال ابن كثير رحمه الله في (البداية والنهاية) [13/34]: (وقد صنَّف الحافظ عبد الغني المقدسي كتابًا فيه أوهام الحاكم، فلما وقف عليه الحاكم جعل يقرؤه على الناس ويعترف لعبد الغني بالفضل، ويشكره على ذلك، ويرجع إلى ما أصاب فيه من الردِّ عليه - رحمهما اللَّه -) اهـ. وكان العلامة عبد الغني المقدسي - رحمه الله - يشيد بموقف الحاكم رحمه الله يقول: (لما رددت على أبي عبد الله الحاكم [الأوهام التي في المدخل] بعث إلي يشكرني، ويدعو لي، فعلمت أنه رجل عاقل) اهـ كما في (سير أعلام النبلاء) للذهبي [17 /270].
وختامًا:
إن هذه المواقف المتقلِّبة، بين صمتٍ يُشبه صمت القبور في مسائلَ جسام، وتكميمٍ للأفواه، وبين تردُّدٍ وخجلٍ في بيان ما يُرى حقًّا، لا تخدم الدعوة السلفية بحال، بل تفتح باب التشكيك في صدق الخطاب، وتُضعف ثقة الناس بالناصحين، وتؤكد أن المواقف والمدلهمات إذا لم تُبنَ على أصولٍ علميةٍ راسخة، وانقلبت بتقلُّب الواقع = كانت سببًا مباشرًا في حيرة طلاب العلم واضطراب أفهامهم، وإذكاء روح التخاصم بينهم، وتقسيمهم إلى شيعٍ وأحزاب؛ يُخطِّئ بعضهم بعضًا، ويتنازعون في القضايا بدل الاجتماع على العلم والعمل، حتى يُعطَّل الطلب، وتُهدر الأوقات، ويُنشَّأ جيلٌ على تتبُّع الأقوال المتضاربة لا على ترسيخ الأصول.
وإن من الأدب مع الدعوة ومع طلابها، بل من النصيحة الواجبة لله ورسوله وللمؤمنين، أن يُراعى أثر الكلمة ومآل الموقف، وألا يُجعل الطلاب وقودًا للتجارب ولا ميدانًا للتقلُّبات؛ فإن العبث بالمواقف أشدُّ خطرًا من الخطأ فيها، والاضطراب في البيان أوقع أثرًا وأعمق جرحًا من الخطأ المبيَّن الذي يُعرف موضعه ويُعالج بالعلم والعدل.
نسأل الله أن يرزقنا وإخواننا الصدق مع الله، والعدل مع الخلق، والثبات على الحق، والرجوع إليه بتواضعٍ وشجاعة، لا بخجلٍ ووجل. والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي - عفا الله عنه –
الإسكندرية من الديار المصرية –حفظها الله من كل مكروه وسوء- وسائر بلاد المسلمين.
الأحد: 8 رجب الفرد 1447 هـ.
