الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

وقفات مع الدكتور عرفات

١٧ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ٨ ديسمبر ٢٠٢٥
الردودالمقالاتالرد على عرفات المحمديالرد على عبد الله البخاريالمنهج والدعوة السلفية
(وقفات مع الدكتور عرفات)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإنَّ من أعظم أسباب تشويه المنهج السلفي في هذا العصر: تصرفات بعض المنتسبين إليه ممن اتخذوا الغلظة طبعًا، والتجريح منهجًا، وتحميل النصوص ما لا تحتمله، فصاروا فتنةً لأنفسهم ولمن تبعهم. ومن المؤسف أن يقع الدكتور عرفات المحمدي - وفقه الله وهَداه - في جملةٍ من هذه المخالفات، التي تحتاج إلى بيان علمي سلفي رصين، لا من باب الانتصار للأشخاص، بل من باب النصيحة لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.

وها هنا ثلاث قضايا هي صلب الكلام:
القضية الأولى: إطلاقه ألفاظ السباب والازدراء على مخالفيه:
استعماله لعبارات - في هذه الآونة - مثل: «الفارغين» «متلطخون بالسفه والطيش» ونحوها، مما يزخر به كلامه، وهي في حقيقتها خروج عن سمت العلم وأدب السلف.
ومما يعجب له أنَّ الدكتور! يقول بلسانه: «أما السباب والشتائم فهي حجة العاجز» - كما في الصور المرفقة مع المقال - وهي كلمة حق، لكنها انقلبت عليه؛ فإن من ملأ رده بالسِّباب، ووشَّحه بالسُّخرية، فقد حكم على نفسه بأنه قد لجأ إلى حيلة العاجز عن الحجة.

ومعلوم عند العامة قبل الخاصة: أن الدعوة إلى الله بالعلم لا تكون بالحدة والفظاظة، وإنما كما قال الله جل وعلا: ﴿ادْع ‌إِلَى ‌سَبِيل ‌رَبك ‌بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ [النحل: 125]؛ ولقد كانوا يعدُّون سوء اختيار الألفاظ من علامات ضعف العلم وقلة الورع، فكيف بالسَّبِّ والشَّتم الصريح؟!، والمنهج السلفي ليس مدرسة صراخ، ولا ميدانًا لتفريغ الانفعالات، بل أدب وورع قبل أن يكون علمًا وبيانًا.
ورحم الله ابن السماك حيث قال: كم ‌من ‌مذكر ‌بالله ‌ناس ‌لله، وكم من مخوف بالله جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد من الله، وكم من داع إلى الله فار من الله، وكم من تال لكتاب الله منسلخ من آيات الله.

القضية الثانية: لمزه العلماء والمشايخ الكبار والوقيعة فيهم:
من أعظم ما يؤخذ على الدكتور عرفات – هداه الله - وصفه لكتابات علماء ومشايخ كبار - كالشيخ علي الحذيفي والشيخ نزار بن هاشم حفظهما الله - بأنها: «لا يكتبها حتى الصبيان»
وهذا تسفُّه لا يليق بطالب علم مبتدئ، فكيف بمن يظهر في صورة المُقرِّر والمعلِّم؟!
أولاً: هذا اللمز مخالف للمنهج السلفي: فالسلف كانوا يعظمون أهل العلم -حتى المخالف ما دام على السنة- فلا يرمونهم بمثل هذه الكلمات السُّوقية الهابطة، لأن ذلك ينسف احترام العلم نفسه.

ثانيًا: وهذا اللمزُ لا يصدر إلا من قلبٍ امتلأ بالعُجب وغلبت عليه نظرة الاستعلاء:
فمن تأمل كلام الشيخ علي الحذيفي والشيخ نزار بن هاشم ـ حفظهما الله ـ وجد رصانةً علمية، وعمقًا في التحرير، وغيرةً صادقة على المنهج السلفي، يعرفها كل من له أدنى اتصال بالعلم وأهله.
أمّا وصفُ جهودهما بأنها «لا يكتبها حتى الصبيان» فليس وراءه تحقيقٌ ولا نقدٌ علمي، بل هو محضُ ازدراءٍ وتهوين، يدل على هوى في النفس، لا على علمٍ يُناقش، ولا منهجٍ يُحرَّر.
فالألفاظ السُّوقية – وأعتذر - ليست ميزانًا لرجحان قول ولا لضعف آخر، وإنما تبرز من نفوس اعتادت الانتقاص، وأُشرِبت التعالي على أهل الفضل، والعياذ بالله.
القضية الثالثة: تناقضه في مسألة التحزُّب والتبديع:
من أغرب ما وقع فيه الدكتور عرفات أنه ينكر على الناس التحزُّب، ثم يمارس أشد صوره، حتى غدا ذلك منهجه العملي.
فهو يقول عن بعض مخالفيه:
1- «وشِلَّةٌ منهم متخصصة في الطعن في الشيخ عبد الله البخاري...».
2- «فهم على خطى أهل البدع والضلال شعروا أم لم يشعروا.».
وهذه العبارات تحمل ثلاثة أمور:
الأول: كلمة "شِلَّة"
كلمة سوقية دارجة، ومجرد استعمالها في مقام الكلام عن طلاب علم وتحقيقات علمية دليل تحزُّب وضيق صدر، لا سلفيةً ولا إنصافًا.

ثانياً: قوله: «على خطى أهل البدع»:
هذا تبديع صريح، فإن من كان على خطاهم فهو منهم على قانونه هو نفسه، وهذا يعني أنه بدَّع مخالفيه وإن تلطَّف بالعبارة!!.

ثالثاً: قوله: «شعروا أم لم يشعروا»:
هذا تأكيد يلمحه من كان مبتدأ في تعلم اللغة العربية، ثم إنه أسلوب من أساليب أهل التجريح الحزبي الذين يجعلون مخالفيهم مبتدعةً شاءوا أم أبوا، فيرسلون التهم إرسالًا عامًا بلا زمام.

وهذا هو التحزُّب بعينه، فالتحزُّب ليس مجرد تنظيمات وفقط، بل منه ما هو: تمييع للحق لصالح طائفة، وتبديع المخالف بلا بينة، والانتصار للأشخاص.

فرعٌ: محبةُ العلامةِ البخاري والدفاعُ عنه:
ومن أعجب ما ابتُلي به المنهج السلفي في هذا العصر: طائفةٌ تتزيَّا بثوب المحبة للأكابر، وترفع شعار النصرة للعلماء، وهي في الحقيقة أبعد الناس عن حقيقة المحبة وموجباتها. وهؤلاء فريقان متناقضان، والثالث المرجو:

فريقٌ يُظهر الغيرة على العلامة عبد الله البخاري ـ حفظه الله ـ ويُكثر من ترداد اسمه في المحافل والبيانات، فإذا خلا بعضُهم إلى بعض، أو جلسوا في مجالسهم الخاصة، غرزوا أنياب الغمز واللمز في إخوانهم، وأسرفوا في التشويه والتأليب، ثم أظهروا للشيخ ما لو تأمَّله أوجع صدرَه وأتعب خاطرَه؛ فالشيخ بشر، يبلغه لحنُ قولهم وطريقةُ عرضهم، وقد يكون في كلامهم بعضُ الحق، لكن أسلوبهم المبتور وعرضهم المتهور يحوِّله إلى باطلٍ مُزرٍ.
فلا هي غيرةٌ ناصحة، ولا عرضٌ منصف، بل خلطٌ بين شيءٍ من الحق وكثيرٍ من سوء الأدب، يوقع الشيخ في الحرج، ويزرع في صدره ما الله به عليم، والله الموعد.

وفريقٌ آخر يتترَّس بدعوى المحبة، ويُغرق كلامه بألفاظ الموالاة والمناصرة، لكنها محبةٌ ماكرة، تُخفي وراءها مصالح دنيوية واتجاهات، وتجعل اسم العلامة البخاري جسرًا يمررون عليه تحزُّباتهم، لا رايةً للحق يستمسكون بها، ولا مقامًا للعدل يقفون عنده.

وكلا الفريقين - مهما علت أصواتهم وكثر ضجيجهم - لا نصيب لهم من المحبة الحقيقية، ولا من الدفاع الصادق عنه شيء.

وأمّا الفريقُ المرجوُّ: فهم الذين أحبُّوا العلامةَ عبدَ الله البخاري ـ حفظه الله ـ محبةً في الله ولله؛ محبةً بُنيت على استقامته على الإسلام والسنة، وثباته على جادة السلفية، ونصرته للحق وأهله، ووقوفه مع المظلومين، لا على روابط العصبية ولا على وهم التحزُّب.
يُناصرونه إذا أصاب، ويقومونه إذا اعوج، وينصحونه إذا أخطأ، ويردُّونه إلى الحق إذا زلَّ، كل ذلك في ظلال الأدب الرفيع الذي يليق بمقام العلماء، ويعكس حقيقة الاتباع لهدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لا غلوَّ المدَّعين ولا فظاظة المتعصبين.
فهذه هي المحبة التي يُثنى عليها، محبةٌ على الجادة، منضبطةٌ بالشرع، مزينةٌ بوقار العلم، لا تُعمي عن نصح، ولا تمنع من إنصاف.
ثم أقول كلمة حقٍّ يُسندها القسم، لا مداهنة فيها ولا تعصبًا لأحد، بل إنصافًا يحبُّه الله ويأمر به:
فوالله الذي لا إله إلا هو، إنَّ الظاهر من محبة الشيخ نزار بن هاشم والشيخ علي الحذيفي -حفظهما الله - للعلامة عبد الله البخاري - حفظه الله ووفقه – أنها محبةٌ صادقة خالصة، ناصحة نافعة، بعيدة عن غوائل الهوى، قائمة على العدل والإنصاف، سالمة من شوائب التزلف والتهريج.

وسأذكر مثالاً عجبت منه كل العجب، وأراكم ستتعجبون مثلي:
بالله عليكم ...
هل من محبةِ العلامة البخاري حفظه الله - الذي جمع الله القلوب على يديه، وأصلح ذات البين، وجلس للصلح بين متخاصمين، وجعل همَّه رأب الصدع وصيانة الدعوة - أن يُنشَر عنه أنه قال في حق كتابة شكوى أحد الخصمين، وهو الشيخ الفاضل علي الحذيفي - حفظه الله-: «لا يكتبها حتى الصبيان»؟!
هب أن العلامة البخاري قالها - وهو ما لا يليق نسبته إليه - فهل هذا من المحبة؟ أم هو ضربٌ لمنهجه الإصلاحي؟ أم اتهامٌ مبطَّنٌ بأنه يحكم بالهوى، وينال من أحد الخصمين لحساب الآخر؟!
إن العاقل المنصف يعلم أن هذه العبارات لا تنصر عالمًا، ولا تحفظ دعوةً، ولا تُعبِّر عن محبةٍ صادقة، بل هي هوًى يُتستَّر عليه بدعوى الغيرة، وتعصُّبٌ يتخفَّى تحت راية المحبة، حتى صارت المحبةُ جسرًا للطعن وتصفية للحسابات، وصارت الغيرةُ ستارًا للهدم.
ومَنْ صَدَقَ في محبته للعالِم، لم يجعلها سلاحًا يطعن به الآخرين، ولا ذريعةً لتمرير الخصومات، بل يجعل المحبة ميزان عدل، ودافعَ إصلاح، وسببًا لصيانة الدعوة. والله المستعان.
خاتمة:
إن المنهج السلفي- كما قال أئمته - ميزان عدل، لا يُقاد بالعاطفة ولا يتقلب وفق المشاعر. ومن أراد أن يخدمه، فليخدمه بحقائقه لا بأهوائه، وبأخلاقه لا بخصوماته.
ودعوتنا للدكتور عرفات - أعانه الله على نفسه - هي دعوة ناصح لا شامت:
أن يعود إلى منهج السلف في اللفظ والحكم والعدل، وألَّا يجعل الخلاف بوابة للطعن في المشايخ وطلاب العلم أو تسفيه المخالفين، فإن السلفية خلقٌ قبل أن تكون مقالًا، وميزانٌ قبل أن تكون شعارًا.
وإني لأرجو الله تعالى أن يوفِّق الدكتور عرفات - سدده الله - إلى أن ينظر في ما سطَّرته هنا بعين الحكمة والإنصاف، وأن ينتصر للحق ولإخوانه، فيسمو فوق لحظة الغضب، ويرجع إلى الجميل الذي نعرفه عنه، فالرجوع إلى الحق خُلق الكبار، وزلَّة العالم لا تزيده إلا تواضعًا إذا تداركها بالرجوع عنها.
وما نحبُّ له إلا ما نحبُّه لأنفسنا؛ أن يعتذر إلى إخوانه اعتذارَ خيارِ القوم، اعتذارَ من حفظ المودَّة ولم يرضَ أن يُبقي في القلوب وحشة.
وإنَّا لَمُنتظرون منه هذه الوقفة الكريمة التي ترفع قدره، وتُعيد للنفوس سكينتها، وتُثبت أن العالم مهما بلغ يبقى عبدًا يرجو رضوان ربِّه، لا يأنف من رجوع ولا يستكبر عن حق.
فالاعتذار شيمة الكبار، وزينة أهل العلم، وبه تُهدم الجفوة وتُستدرَك الزلَّة، ويزداد المرء به وجهًا عند الله ووجاهة عند عباده.
نسأل الله أن يشرح صدره للحق، وأن يجمع القلوب على الهدى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي – عفا الله عنه –
الإسكندرية – ليلة الثلاثاء: 18 / جمادى الآخر / 1447 هـ.
وقفات مع الدكتور عرفاتوقفات مع الدكتور عرفات

مواد ذات صلة