الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

أسباب الاضطراب في الساحة الدعوية وسبل النجاة منها

٦ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٥
المقالاتالمنهج والدعوة السلفيةالرقائق والآداب
مقال الأسبوع: (أسباب الاضطراب في الساحة الدعوية وسبل النجاة منها)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:
فبينما أنا على شاطئ الإسكندرية الجميل، وقد التفَّ بي من نسيمها ما يُنعش القلب، ومن هدير أمواجها ما يُسكِّن الخاطر، وفي جوٍّ مفعمٍ بكل معاني السكينة والبهجة… سألتُ نفسي سؤالًا طالما طرق قلبي ثم انصرف، لكنه اليوم ألحَّ عليَّ إلحاحًا:

ما سببُ ما يجري على الساحة الدعوية من اضطرابٍ واضطرام؟ وما منشأ هذا التنازع الذي سرى بين طلاب العلم أصحاب المنهج الواحد؟
فقلت - وقد بدا لي الجواب كأنه يخرج من قلب الزمان -:
إن الذي نراه اليوم من فوضى الأصوات، وتطاير المواقف، واحتدام الخصومات؛ ما هو إلا ثمرة مفارقة أربعةِ أصولٍ عظيمة، لو وُفِّقنا لفهمها حقَّ الفهم، ولزومها حقَّ اللزوم، لَهَدَأت العواصف، وسكنت النُّفوس، وارتدَّ للعلم بهاؤه وثِقَلُه، وظهرت في الساحة ملامح السَّداد بعد طول ارتباك – إن شاء الله تعالى -:

الأصل الأول: الانطواءُ على مساوئ الأخلاق في ثوبِ المتنسِّك:
وهذه ـ واللهِ ـ آفةٌ ما أفسدت في تاريخ العلم مثلَ ما أفسدت؛ إذ يتزيَّا صاحبُها بزيِّ الخشوع، ويلبس جُبَّةَ السَّكينة، ويُخفض رأسه كالمتواضع، فإذا حُرِّكتْ دواخله، انكشف من ورائها كبرٌ متوارٍ، وحسدٌ مكتوم، وغلٌّ يُساق في هيئة النصح والإشفاق.
يُظهر الورع، فإذا خَلَا إلى هواه، كان أجرأ الناس على أعراض إخوانه؛ ويُظهر لين العبارة، فإذا نُوقِش، اشتعلت فيه نارُ حظِّ النفس، وتطاير من لسانه ما لا يليق بمتعلم، فكيف بمتصدِّر؟
يرفعون لواء الغيرة على الدين، وما جرَّهم إلا الغيرة على المكانة، ويُنادون بالحق، وما دفعهم إلا الحسدُ أن يرتفع غيرُهم بفضله، يُكثِرون من ذكر الأخلاق، وهم أبعدُ الناس عن رعاية حدودها، ويتكلمون عن ورع السلف، وما ورِثوا منه إلا هيئةً ساكنةً لا روحَ فيها، هؤلاء هم الذين وصفهم بلال بن سعد بقوله: « لا تكن عدواً لله في السِّرِّ ووليه في العلانية».
ويُصوِّرون للناس أنفسَهم أنهم أهلٌ لقَولِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ ‌أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا» رواه مسلم، وأنهم أهلُ سمتٍ وصلاحٍ وخشوع، وما ذاك إلا قناعٌ هشٌّ، لو نَفَخَ فيه نفَسُ الامتحان لانكشف ما تحته من كَدَرٍ وغيظٍ وحظوظٍ وحبِّ تصدرٍ ومقام.
وإن من أعجب العجب أن ترى أحدَهم: إذا مُدِح زَهِيَ وطرب، وإذا نُصِح اشتدَّ واضطرب، وإذا خُولِفَ غضب، ورأى المخالفَ خصمًا لا أخًا، وإذا غلبه الحقُّ حاول أن يغلب صاحبَ الحقِّ، لا أن يغلب نفسه ويرجع إلى الحق.

فمثلُ هذا لا يزيدُ السَّاحةَ إلا تمزُّقًا، ولا يزيد الخلافَ إلا اتساعًا، ولا يزيد العلم إلا تشويهًا؛ فإن العلم لا يعمرُ قلبًا تغلِّفه الأحقاد، ولا تجري أنواره في نفسٍ تبيت على حبِّ الرِّياسة وإن ادَّعت الزهد.
فإذا اجتمع الانطواء على مساوئ الأخلاق مع ثوب المتنسِّك، خرج لنا رجلٌ يُرى عليه سمتُ أهل المسجد، ويعمل في الناس عملَ أهل السوق؛ ظاهرُه خفضٌ وسكينة، وباطِنُه شررٌ يتطاير عند أول خلاف = لذلك قلت:

الأصل الثاني: حبُّ الظهور والرياسة:
وليس في تاريخ الفتن ما صدَّع صفَّ السلف، وجَرَحَ هيبة العلم، وفرَّق كلمة أهل السُّنَّة… مثل شهوةِ الصدارة وطلب الرِّفعة بين الخلق.
وحبُّ الظهور - إذا خامر قلب رجل - أظهر من الفتن ما يظهر القيحُ من الجُرح؛ فيُعظِّم نفسه، ويستهين بغيره، ويشتدُّ على من خالفه، ويترخص مع من وافقه، حتى يصبح العلم عنده تابعًا لشخصه، لا شخصُه تابعًا للعلم.
وما سقطت الهيبة من بعض المتصدرين إلا يوم فارقوا فيه كلام الأكابر وتقدَّموا الصفوف بلا زاد، ورفعوا أصواتهم بلا رسوخ، لذلك قلت:

الأصل الثالث: مفارقةُ كلامِ الأكابر:
اعلم – بارك الله فيك – أنَّ من هجر كلامَ الأكابر فقد هجر جمار العلم وترك مصابيح الطريق، وهجر الرسوخ الذي تثبت به الأقدام، وهجر البصيرة التي تنفذ إلى الحق من وراء الدياجي.
ومن أعرض عن توجيهاتهم، فقد أعرض عن تجاربٍ صقلتْها السنين، وعلومٍ غربلتها المحن، ومواقفَ أنقذت الأمة في مواطنَ كانت أشدَّ فتنةً، وأضيقَ خانقًا، وأعظمَ اضطرابًا من زماننا هذا.
فكلام الأكابر ليس حروفًا ميِّتة، ولا ذكرياتٍ منقضية، بل هو تراث عقلٍ ناضج، وبصيرةُ قلبٍ خبير، وهَدْيُ عالمٍ جرَّب فميز، وعانى ففصَّل، وتثبَّت فعدَّل وجرَّح.
ومن ترك كلامهم فَقَدْ ترك الميزان، ومن ترك الميزان فلا عجب أن تختلط عليه الموازين، فيرفع من لا يُرفع، ويطعن فيما لا يُطعن، ويشتغل بضجيج الشباب المتعجِّلين، ويترك وقار الشيوخ الراسخين.

إنَّ مفارقة كلام الأكابر ليست مجرد خطإٍ علمي، بل هي بوابةُ الفتن، ومفتاحُ التَّشتُّت، وطريقُ السُّقوط في مهاوي الهوى والاضطراب؛ فالعلم إذا انفصل عن أهله = ضلَّ سالكه، والمسافر إذا تخلَّى عن دليله = تاه في مفاوز الظنون، وطالبُ العلم إذا أعرض عن كلام الأكابر = حملته الأهواء على أجنحتها حيث شاءت، لا حيث ينبغي، وما يزال يبتعد خطوةً بعد خطوة، حتى يَلبِس ثوبًا كان عنوانَ تعاسَتِه وبَوَارِه؛ ويلج بابًا الزَّلَلُ فيه يدمِّر ويفتِّت ويمزِّق لذلك قلت:

الأصل الرابع: عدمُ هضم باب الجرح والتعديل، والتهجُّم عليه من كلِ مَنْ هبَّ ودبَّ:
إنَّ باب الجرح والتعديل بابٌ عزيز المنزلة، دقيق المسالك، لا يدخل ساحته إلا من شابت لحيته في العلم، وصقَّلته قراءة الكتب والبحث في زواياها، وهذَّبت أخلاقه التجارب.
فإذا تصدَّر له من ليس من أهله، وتجرأ عليه من لم يُمحَّص، ولم يُربَّ، ولم يُهذَّب؛ خرجت علينا الفوضى العلمية، والخصومات المريبة، ومهرجانات الطعن التي لا تُبقي ولا تذر، وصار من هبَّ ودبَّ يرفع هذا، ويُسقط ذاك، بميزانٍ لو عُرض على الصبيان لاستحيوا منه!

وحين تجتمع هذه الأربعة… سوءُ الخلق وهجر كلام الأكابر، مع حبِّ الظهور، مع التجرؤ على باب الجرح والتعديل… يقع الذي نراه اليوم:
فتشتعل الفتن، وتتطاير الخصومات، ويُنسى أصل العلم، ويُترك كلام الراسخين، ويضيع الناس بين صوتٍ جريءٍ جاهل، وصوتٍ متصدرٍ لم يكتمل نضجه، ويُدفن الحقُّ الذي كان يحمله الأكابر تحت ركامٍ من الضجيج، يعلو فيه صوتُ من لا وزن له، ويخفت فيه نورُ مَنْ كان وزنه أثقل من الجبال.
وإنَّا – والله – في زمنٍ أحوجَ ما نكون فيه إلى لزوم غرز الأكابر، وتعاهد القلوب بالإخلاص، وردِّ الأمور إلى أهل الرسوخ، والاجتماع على الأصول بدل التشتت خلف الفروع التي يسع فيها الخلاف؛ فما أضيعَ طالبَ علمٍ جعل ميزانه هواه، وقائدَه جهله، وصاحبَه العُجب، وراح يخوض في ما لا يُتقِن، ويتصدر فيما لا يحسن، ويهدم ما لم يَبنِ.

يا طلابَ العلم، إن العلم بحرٌ لا يركبه إلا مَن عرف قدره، ولا ينجو فيه إلا مَن تمسَّك بأوتاد السَّلف، وجرى على أثر العلماء الأمناء، ووطَّن قلبه على الصدق والتواضع والإنصاف.
وإنه ما ارتفع عالمٌ إلا بإخلاصه، ولا سقط آخر إلا بزهوه وكبره؛ وما أُطفئت فتنةٌ إلا بحكمة، ولا اشتعلت نارٌ إلا بجهالة.
ولهذا - يا طلاب العلم ويا سواعد المنهج وقوته - أناشدكم الله:
دعوا ما بين العلماء، فهم أعرف بطرائقهم، وأدرى بمسالك الردِّ والنقد، وخلافهم - إن وقع - خلافُ علمٍ لا خصومةُ نفوس، وتبايُنُ اجتهادٍ لا تنازعُ رياسات.

اتركوهم يردُّ بعضهم على بعض، فالردودُ بينهم مدارس، والمناقشاتُ بينهم مناجمُ درر، تسمع فيها صوتَ الدليل أعلى من صوت الرجال، وتشهد فيها عظمةَ العلم حين يتجاذبه الراسخون، فيُخرِجون من أعماقه اللآلئَ والدرر لا يظفر بها المتعجِّل ولا يدركها المتكلِّف.
فاحفظوا ألسنتكم عن دخان الفتن، واحفظوا قلوبكم عن التعصُّب للرجال، واجعلوا لكم من تواضع السلف لباسًا، ومن أدب طلاب العلم جناحًا، ومن كلام الأكابر ملاذًا إذا اضطربت السُّبل، فإن العلم لا يرفع صاحبه إلا إذا عمل به وترفع عما يشينه، ولا يحفظ طالبَه إلا إذا حفظ طالبُه حدوده وآدابه.

اللهم اجعلنا ممَّن عرف قدر العلماء، ولزم غرزهم، وسار على آثارهم، وترفَّع عن الخصومات، ولم يُؤتَ من حظِّ النفس ولا من غوائل الهوى.
ووفقنا - اللهمَ - لاتباع السُّنَّة على بصيرة، وحصِّن قلوبنا من كل رياء، وارزقنا حبَّ الحق ونور العلم وطمأنينة السير على آثار العلماء العاملين والصالحين.
واجعل أقوالنا نافعةً، وأعمالنا خالصةً لوجهك الكريم، وارزقنا محبَّة العلماء واحترامهم، والصبر والثبات على الحق.
واجعلنا من الذين يستضيئون بنورهم في ظلمات الفتن، وينهلون من معين علمهم، ويجعلون أقوالهم سلاحًا للحق وأفعالهم جسرًا للخير.
ولا تجعلنا من الذين يضلُّهم الهوى، وابعثنا حملة علمٍ بحقِّه، ملتزمين بآثارهم، متخلقين بأخلاقهم، نستنير بهديهم وننفع به غيرنا، يا أرحم الراحمين.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
على شاطئ قصر المنتزه بالإسكندرية - عروس البحر المتوسط - حرسها الله وسائر بلاد المسلمين، بعد عصر الخميس: 6 / جمادى الآخر / 1447 هـ.

مواد ذات صلة