المنهج السلفي بين الغيرة والإنصاف
مقال: (المنهج السلفي بين الغيرة والإنصاف):
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آله وصحبِه ومَن والاه، أما بعد:
فإنَّ من أصولِ المنهج السلفي الراسخة وأوضحِ معالمه أنَّ العصمةَ قصرها الله تعالى على وحيه المنزَّل؛ كتابِه العزيز وسنَّةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وأما سائرُ الخلقِ بعده، فليس فيهم معصوم، بل كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُترك، ميزانُه في ذلك الكتابُ والسُّنَّة بفهم سلف الأمة، لا الاسمُ ولا القَدْرُ ولا المكانةُ.
فالثقاتُ والأئمةُ – على جلالِ قدرهم ورفعةِ شأنهم – بشرٌ جُبلوا على النقص والزلل، لا يسلمون من الخطأ وإن صدقت نياتُهم وسلِمت مقاصدُهم. وقد وقع الخطأُ من كبار الصحابة رضي الله عنهم، وهم خيرُ القرون، وأتقاهم قلوبًا، وأصدقهم ألسنةً، وأعمقهم علمًا، وأقومهم عملاً. ومع ذلك لم تُسقط تلك الزلاتُ عدالتَهم، ولم تجرح مكانتَهم، لأنَّ الخطأَ عارضٌ بشريٌّ لا يقدح في الأصل، وسُنَّةٌ ماضيةٌ لا ينفكُّ عنها أحدٌ من الخلق.
وهذا معنى جليلٌ نبَّه عليه العلماءُ سلفًا وخلفًا، قال الإمام ابن مفلح رحمه الله في (الآداب الشرعية) [2/141] «فصلٌ في خطأ الثقات، وكونِه لا يَسْلَمُ منه بشر... ثم قال: قال يَحْيَى بن معين رحمه الله: مَنْ لَا يُخْطِئُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ كَذَّابٌ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: مَنْ يُبَرِّئْ نَفْسَهُ مِنْ الْخَطَإِ فَهُوَ مَجْنُونٌ وَقَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ ذَا الَّذِي لَا يُخْطِئُ؟ » اهـ.
ومن تأمل أحوال السلف علم أنَّ الكمالَ إنما هو للوحي، وأنَّ فضلَ العبد إنما يُعرف بمقدار متابعته للحق ورجوعه إليه إذا تبيَّن له الخطأ، لا بادعاء العصمة ولا بالانتصار للنفس.
قال الإمام مالك رحمه الله كلمةً صارت قاعدةً في العلم: (ما منَّا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم).
فما أعظمها من كلمةٍ تُرسِّخ في القلوب مبدأ العدل والإنصاف، وتغرس في النفوسِ التواضعَ للحق، وتقطع دابرَ الغلو في الأشخاص، والافتراء على المخالفين، فهذا الميزان الدقيق هو الذي حفظ للأمة توازنها عبر القرون، فلم تغلُ في أحد، ولم تجفُ عن أحد، بل التزمت الوسطية التي هي سمةُ أهل السُّنَّة والجماعة.
ولذلك كان السلفُ لا يُعظِّمون الأشخاص تعظيمًا يُفضي إلى العصمة، بل يُعظِّمون الحقَّ الذي جاء به الكتاب والسُّنَّة، فمن وافقه قبلوه ورفعوا قدره، ومن خالفه ردوه برفقٍ وعدلٍ وأدبٍ.
لذا فالواجب على القادر ردُّ الخطأ وبيان الصواب، فإنَّ الدين لا يقوم إلا على البلاغ والبيان، ولا يَحْسُنُ بمن يعلمون الحقَّ والصواب أن يروا الباطلَ منتشراً فيسكتوا، أو الخطأَ ظاهرًا فلا يُوضِّحوه، لأنَّ في السكوت تضييعًا للأمانة التي حمَّلهم الله إياها، وإخفاءً للحق الذي أمروا بإظهاره.
فإذا تبيَّن لنا – كما سلف – أنَّ الخطأ لا يسلم منه أحد، فقد وجب على من علم الصواب أن يبيِّنه بالعلم والبرهان، والحجة الواضحة والدليل الساطع، لا بالتجريح ولا بالتشهير، صيانةً للدين، ونصحًا للمسلمين، وقيامًا بفريضة البيان التي أمر الله بها في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].
وهذا الميثاق العظيم لا يختصُّ بأهل الكتاب وحدهم، بل هو تحذيرٌ لأهل العلم من هذه الأمة أن يسلكوا سبيلهم، فيكتموا الحقَّ أو يجاملوا في دين الله، أو يُقدِّموا رضا الناس على رضا ربهم.
ولذلك كان البيانُ عند ظهور الخطأ واجبًا شرعيًّا لا يُناط بالهيئة ولا بالعمر ولا بالمنصب، بل بمقدار العلم والقدرة، فمن أوتي علمًا فليؤدِّ أمانته، وليبلِّغ ما علمه، فإن الله سائله يوم القيامة: هل بَيَّنتَ أم كتمتَ؟ وهل نصحتَ أم غششتَ؟
ومع ذلك، فإن هذا البيان يجب أن يكون مقرونًا بالأدب والإنصاف، فإن الغايةَ من الردِّ ليست الانتصار للنفس، ولا التشهير بالمخطئ، بل حفظُ الدين وهدايةُ الخلق. فمن ردَّ الخطأ وهو مخلصٌ في قصده، منصفٌ في حكمه، رفيقٌ في عبارته، كان على هدي رب العالمين: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
فالردُّ في حقيقته بابٌ من أبواب النصح والإصلاح، لا باب خصومةٍ أو تشفٍّ، وبه تحفظ بيضة الدين من التحريف، ويُسدُّ بابُ الفتنة والاضطراب في الأمة، ويعلو صوت الدليل على صوت الجدال.
والواجب أن يكون ذلك الردُّ بعلمٍ وعدلٍ وأدبٍ وإنصاف، بعيدًا عن التشفي والتعالي والهوى.
فالردُّ ليس غايةً في ذاته، وإنما هو وسيلةٌ لحماية الشريعة من التحريف، ونصيحةٌ للمخطئ، ورحمةٌ بالأمة أن تُضلَّ باتباع الزلل، فينبغي أن يقصد بيان الحق وهداية الخلق، لا التشفي والانتقام.
ورحم الله شيخنا الإمام ابن عثيمين حيث قال: (ونحن لا ننكر أن لبعض العلماء المنتسبين إلى الأشعري قدم صدق في الإسلام والذب عنه، والعناية بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم رواية ودراية، والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم، ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطئوا فيه، ولا قبول قولهم في كل ما قالوه، ولا يمنع من بيان خطئهم ورده لما في ذلك من بيان الحق وهداية الخلق) انتهى من (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين) [3/341].
وفي قوله: «ولا يمنع من بيان خطئهم ورده لما في ذلك من بيان الحق وهداية الخلق»، تقريرٌ جليلٌ لمنهج السلف في نقد الأقوال، وردِّ الخطأ بالعلم والبرهان لا بالهوى والعدوان صيانة للحق وهداية للخلق.
ولذلك كان من منهج السلف الصالح في الردود أنهم يجمعون بين أمرين يبدوان متقابلين في الظاهر، متكاملين في الحقيقة:
• الغيرة على الحق والدين، فينكرون الباطل بلا ترددٍ ولا مداهنة.
• وحفظُ كرامة المخالف، فلا يظلمونه ولا يبهتونه، ويعتذرون له إن كان له وجهٌ من الاجتهاد.
فهم ينظرون إلى القول فيردُّونه بالبرهان، ولا يجعلون الردَّ على الخطأ مدخلًا للطعن في النيات أو النيل من الأقدار.
قال الإمام الذهبي رحمه الله: «ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه، وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه » (سير أعلام النبلاء) [14/376].
فهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، والميزان الذي يجب أن تُوزن به الأقوال والمقالات:
• يُوزن القول لا القائل.
• ويُقصد بالرد الإصلاح لا التشهير.
• وبالبيان الهداية لا الإهانة.
ولذلك وجب على طالب العلم أن يزن ردوده بميزان الشرع والإنصاف، فالامتثال في العدل في الأقوال يزينه ويبهجه ويقويه الامتثال في العدل في الأفعال: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152].
وهكذا كان السلفُ رحمهم الله: قومًا نصروا الحقَّ بالعلم والعدل، وردُّوا الباطل بالحجة والرفق، لا يحملهم الغضبُ على الجور، ولا يمنعهم الأدبُ من البيان.
فمن أراد سلامةَ المنهج، ونقاءَ القصد، فليلزم ميزانَ العدل والإنصاف، فهو زينةُ العالم، وبه تُحفظ كرامةُ المخالف، ويُصانُ وجهُ الدعوة من الغلوِّ والانحراف.
وفي الختام... أيها الإخوة الكرام، أنتم على جادَّةٍ واحدة ومنهجٍ واحد، فإياكم أن يُفرِّق بينكم الشيطانُ بعد أن جمعكم التوحيدُ والسُّنَّة.
تذكَّروا أنَّ الاختلاف سُنَّةٌ كونية، وأنَّ حفظ الأخوَّة وسلامة القلوب أولى من الانتصار للنفس، والاجتماع على الحق أعظم من التنازع فيه.
واعلموا أنَّ العدلَ والرفقَ والإنصاف في الخلاف من دلائل صدق الاتباع للسلف الصالح.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ العِلمَ هو الحاكمُ والقاضي وقت الاختلافات، فبه تُوزن الأقوال ويُعرفُ الراجح من المرجوح، ومن جعل العلمَ إمامَه، والدليلَ قائدَه، لم يَزِغ عن سواء السبيل، ولم تَضْطربْ به الأمور.
فاتركوا المهاتراتِ، وسوءَ الأخلاق، ورديءَ الأقوال، فإنها لا تزيد الحقَّ إلا خفاءً، ولا المخالفَ إلا نفورًا، وأَفِيدوا الناسَ وطلابَ العلمِ بالردودِ العلميةِ الرصينة التي تُبنى على الدليل والإنصاف كما كان شأنُ علمائنا الكبار، الذين جمعوا بين الغيرة على الحق والأدب في الخلاف.
ولا تجعلوا الردود العلمية بسوءِ الصنيع والحدةِ والجدال مثلبةً تُلصق بالدعوة السلفية، فإنها دعوةُ علمٍ وعدلٍ ورحمة، لا دعوةُ خصومةٍ وغلظة، ومن تمسَّك بمنهجها على بصيرةٍ نفع الله به وأصلح على يده، واللهُ أعلم؛ وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب :
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي - عفا الله عنه –
الثغر السكندري - حرسه الله –
ليلة الخميس: 15 / جمادى الأولى / 1447 هـ.
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آله وصحبِه ومَن والاه، أما بعد:
فإنَّ من أصولِ المنهج السلفي الراسخة وأوضحِ معالمه أنَّ العصمةَ قصرها الله تعالى على وحيه المنزَّل؛ كتابِه العزيز وسنَّةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وأما سائرُ الخلقِ بعده، فليس فيهم معصوم، بل كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُترك، ميزانُه في ذلك الكتابُ والسُّنَّة بفهم سلف الأمة، لا الاسمُ ولا القَدْرُ ولا المكانةُ.
فالثقاتُ والأئمةُ – على جلالِ قدرهم ورفعةِ شأنهم – بشرٌ جُبلوا على النقص والزلل، لا يسلمون من الخطأ وإن صدقت نياتُهم وسلِمت مقاصدُهم. وقد وقع الخطأُ من كبار الصحابة رضي الله عنهم، وهم خيرُ القرون، وأتقاهم قلوبًا، وأصدقهم ألسنةً، وأعمقهم علمًا، وأقومهم عملاً. ومع ذلك لم تُسقط تلك الزلاتُ عدالتَهم، ولم تجرح مكانتَهم، لأنَّ الخطأَ عارضٌ بشريٌّ لا يقدح في الأصل، وسُنَّةٌ ماضيةٌ لا ينفكُّ عنها أحدٌ من الخلق.
وهذا معنى جليلٌ نبَّه عليه العلماءُ سلفًا وخلفًا، قال الإمام ابن مفلح رحمه الله في (الآداب الشرعية) [2/141] «فصلٌ في خطأ الثقات، وكونِه لا يَسْلَمُ منه بشر... ثم قال: قال يَحْيَى بن معين رحمه الله: مَنْ لَا يُخْطِئُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ كَذَّابٌ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: مَنْ يُبَرِّئْ نَفْسَهُ مِنْ الْخَطَإِ فَهُوَ مَجْنُونٌ وَقَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ ذَا الَّذِي لَا يُخْطِئُ؟ » اهـ.
ومن تأمل أحوال السلف علم أنَّ الكمالَ إنما هو للوحي، وأنَّ فضلَ العبد إنما يُعرف بمقدار متابعته للحق ورجوعه إليه إذا تبيَّن له الخطأ، لا بادعاء العصمة ولا بالانتصار للنفس.
قال الإمام مالك رحمه الله كلمةً صارت قاعدةً في العلم: (ما منَّا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه، إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم).
فما أعظمها من كلمةٍ تُرسِّخ في القلوب مبدأ العدل والإنصاف، وتغرس في النفوسِ التواضعَ للحق، وتقطع دابرَ الغلو في الأشخاص، والافتراء على المخالفين، فهذا الميزان الدقيق هو الذي حفظ للأمة توازنها عبر القرون، فلم تغلُ في أحد، ولم تجفُ عن أحد، بل التزمت الوسطية التي هي سمةُ أهل السُّنَّة والجماعة.
ولذلك كان السلفُ لا يُعظِّمون الأشخاص تعظيمًا يُفضي إلى العصمة، بل يُعظِّمون الحقَّ الذي جاء به الكتاب والسُّنَّة، فمن وافقه قبلوه ورفعوا قدره، ومن خالفه ردوه برفقٍ وعدلٍ وأدبٍ.
لذا فالواجب على القادر ردُّ الخطأ وبيان الصواب، فإنَّ الدين لا يقوم إلا على البلاغ والبيان، ولا يَحْسُنُ بمن يعلمون الحقَّ والصواب أن يروا الباطلَ منتشراً فيسكتوا، أو الخطأَ ظاهرًا فلا يُوضِّحوه، لأنَّ في السكوت تضييعًا للأمانة التي حمَّلهم الله إياها، وإخفاءً للحق الذي أمروا بإظهاره.
فإذا تبيَّن لنا – كما سلف – أنَّ الخطأ لا يسلم منه أحد، فقد وجب على من علم الصواب أن يبيِّنه بالعلم والبرهان، والحجة الواضحة والدليل الساطع، لا بالتجريح ولا بالتشهير، صيانةً للدين، ونصحًا للمسلمين، وقيامًا بفريضة البيان التي أمر الله بها في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].
وهذا الميثاق العظيم لا يختصُّ بأهل الكتاب وحدهم، بل هو تحذيرٌ لأهل العلم من هذه الأمة أن يسلكوا سبيلهم، فيكتموا الحقَّ أو يجاملوا في دين الله، أو يُقدِّموا رضا الناس على رضا ربهم.
ولذلك كان البيانُ عند ظهور الخطأ واجبًا شرعيًّا لا يُناط بالهيئة ولا بالعمر ولا بالمنصب، بل بمقدار العلم والقدرة، فمن أوتي علمًا فليؤدِّ أمانته، وليبلِّغ ما علمه، فإن الله سائله يوم القيامة: هل بَيَّنتَ أم كتمتَ؟ وهل نصحتَ أم غششتَ؟
ومع ذلك، فإن هذا البيان يجب أن يكون مقرونًا بالأدب والإنصاف، فإن الغايةَ من الردِّ ليست الانتصار للنفس، ولا التشهير بالمخطئ، بل حفظُ الدين وهدايةُ الخلق. فمن ردَّ الخطأ وهو مخلصٌ في قصده، منصفٌ في حكمه، رفيقٌ في عبارته، كان على هدي رب العالمين: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
فالردُّ في حقيقته بابٌ من أبواب النصح والإصلاح، لا باب خصومةٍ أو تشفٍّ، وبه تحفظ بيضة الدين من التحريف، ويُسدُّ بابُ الفتنة والاضطراب في الأمة، ويعلو صوت الدليل على صوت الجدال.
والواجب أن يكون ذلك الردُّ بعلمٍ وعدلٍ وأدبٍ وإنصاف، بعيدًا عن التشفي والتعالي والهوى.
فالردُّ ليس غايةً في ذاته، وإنما هو وسيلةٌ لحماية الشريعة من التحريف، ونصيحةٌ للمخطئ، ورحمةٌ بالأمة أن تُضلَّ باتباع الزلل، فينبغي أن يقصد بيان الحق وهداية الخلق، لا التشفي والانتقام.
ورحم الله شيخنا الإمام ابن عثيمين حيث قال: (ونحن لا ننكر أن لبعض العلماء المنتسبين إلى الأشعري قدم صدق في الإسلام والذب عنه، والعناية بكتاب الله تعالى وبسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم رواية ودراية، والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم، ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطئوا فيه، ولا قبول قولهم في كل ما قالوه، ولا يمنع من بيان خطئهم ورده لما في ذلك من بيان الحق وهداية الخلق) انتهى من (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين) [3/341].
وفي قوله: «ولا يمنع من بيان خطئهم ورده لما في ذلك من بيان الحق وهداية الخلق»، تقريرٌ جليلٌ لمنهج السلف في نقد الأقوال، وردِّ الخطأ بالعلم والبرهان لا بالهوى والعدوان صيانة للحق وهداية للخلق.
ولذلك كان من منهج السلف الصالح في الردود أنهم يجمعون بين أمرين يبدوان متقابلين في الظاهر، متكاملين في الحقيقة:
• الغيرة على الحق والدين، فينكرون الباطل بلا ترددٍ ولا مداهنة.
• وحفظُ كرامة المخالف، فلا يظلمونه ولا يبهتونه، ويعتذرون له إن كان له وجهٌ من الاجتهاد.
فهم ينظرون إلى القول فيردُّونه بالبرهان، ولا يجعلون الردَّ على الخطأ مدخلًا للطعن في النيات أو النيل من الأقدار.
قال الإمام الذهبي رحمه الله: «ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه، وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه » (سير أعلام النبلاء) [14/376].
فهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، والميزان الذي يجب أن تُوزن به الأقوال والمقالات:
• يُوزن القول لا القائل.
• ويُقصد بالرد الإصلاح لا التشهير.
• وبالبيان الهداية لا الإهانة.
ولذلك وجب على طالب العلم أن يزن ردوده بميزان الشرع والإنصاف، فالامتثال في العدل في الأقوال يزينه ويبهجه ويقويه الامتثال في العدل في الأفعال: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152].
وهكذا كان السلفُ رحمهم الله: قومًا نصروا الحقَّ بالعلم والعدل، وردُّوا الباطل بالحجة والرفق، لا يحملهم الغضبُ على الجور، ولا يمنعهم الأدبُ من البيان.
فمن أراد سلامةَ المنهج، ونقاءَ القصد، فليلزم ميزانَ العدل والإنصاف، فهو زينةُ العالم، وبه تُحفظ كرامةُ المخالف، ويُصانُ وجهُ الدعوة من الغلوِّ والانحراف.
وفي الختام... أيها الإخوة الكرام، أنتم على جادَّةٍ واحدة ومنهجٍ واحد، فإياكم أن يُفرِّق بينكم الشيطانُ بعد أن جمعكم التوحيدُ والسُّنَّة.
تذكَّروا أنَّ الاختلاف سُنَّةٌ كونية، وأنَّ حفظ الأخوَّة وسلامة القلوب أولى من الانتصار للنفس، والاجتماع على الحق أعظم من التنازع فيه.
واعلموا أنَّ العدلَ والرفقَ والإنصاف في الخلاف من دلائل صدق الاتباع للسلف الصالح.
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ العِلمَ هو الحاكمُ والقاضي وقت الاختلافات، فبه تُوزن الأقوال ويُعرفُ الراجح من المرجوح، ومن جعل العلمَ إمامَه، والدليلَ قائدَه، لم يَزِغ عن سواء السبيل، ولم تَضْطربْ به الأمور.
فاتركوا المهاتراتِ، وسوءَ الأخلاق، ورديءَ الأقوال، فإنها لا تزيد الحقَّ إلا خفاءً، ولا المخالفَ إلا نفورًا، وأَفِيدوا الناسَ وطلابَ العلمِ بالردودِ العلميةِ الرصينة التي تُبنى على الدليل والإنصاف كما كان شأنُ علمائنا الكبار، الذين جمعوا بين الغيرة على الحق والأدب في الخلاف.
ولا تجعلوا الردود العلمية بسوءِ الصنيع والحدةِ والجدال مثلبةً تُلصق بالدعوة السلفية، فإنها دعوةُ علمٍ وعدلٍ ورحمة، لا دعوةُ خصومةٍ وغلظة، ومن تمسَّك بمنهجها على بصيرةٍ نفع الله به وأصلح على يده، واللهُ أعلم؛ وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتب :
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي - عفا الله عنه –
الثغر السكندري - حرسه الله –
ليلة الخميس: 15 / جمادى الأولى / 1447 هـ.
