الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

سلسلة التوجيهات التربوية أدب الحوار على الفيس بوك وغيره من المنصات

٢٧ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ١٩ سبتمبر ٢٠٢٥
المقالاتالرقائق والآداب
سلسلة التوجيهات التربوية:
( أدب الحوار على الفيس بوك وغيره من المنصات )

إن فضاء "فيس بوك" وغيره وإن بدا رحباً، فهو في الحقيقة مجالس رقمية يدخلها الناس طوعاً، ويجلسون على موائد أصحابها. ومن أدب الضيافة أن يحفظ الضيف حرمة المجلس، فلا يجفو في لفظه، بتعال أو فظاظة وينسى أنه ضيف على منشور ليس منشوره، وصفحة ليست صفحته.

الخلاف أدب قبل أن يكون حجة:
ولقد أرشدنا القرآن إلى رعاية القول الجميل حتى مع أشد الخصوم، فقال تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]،
وقال سبحانه في محاورة المخالف: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].
فإذا كان الأدب مأموراً به مع الكافر، فكيف يليق أن يهدر بين مسلم وأخيه في مسائل خلافية يصوغ فيها الخلاف؟

فمثلا:

لماذا لا تراسله أولاً على الخاص قبل أن تسارع إلى التعليق أمام الملأ؟ اسأل نفسك وكن صادقا معها...
ما المانع أن تراسل صاحب الصفحة على الخاص أولاً؟
فقد يتراجع عن خطئه طوعاً، فيسلم أمام متابعيه، وتسلم أنت من شبهة التشهير.
أو قد يبين لك وجهة قصده الصحيح، فلربما تكون أنت المخطئ، فيكفيك أن يقيمك على جادة الصواب بعيداً عن أعين الناس.

ثم إن هذا المسلك يسد باب الرياء وحب الظهور الذي يتسرب خفية إلى القلب عند الظهور بالمخالفة في العلن.

أما إذا اضطررت إلى التعليق العام؛ فلتكن مخالفتك:
١- بلطف العبارة: فتقول (أخي الحبيب، لعل في الأمر وجهاً آخر...) لا أن تهاجم وتُقصي وترعد وتزبد.

٢- بالتركيز على المنشور لا على الشخص: فالمنشور يُردُّ عليه، أما كرامة صاحبه فمصونة.

٣- بالحجة لا بالسخرية: فالسخرية تميت الحق وإن كان بين يديك.

٤- باعترافك ببعض الصواب: فما من كلام يخلو من خير، ومن العدل أن يُذكر؛ تطيبالخاطره؛ وقنطرة لفتح قلبه لكلامك.

آثار هذا الأدب:
١- يرفع قدرك عند صاحب الصفحة ويزيد احترامه لك.

٢- يكسبك تقدير المتابعين حتى وإن خالفوك.

٣- يحفظ للمجالس الإلكترونية طابعها العلمي والإنساني؛ لا الهمجية والجدل والمراء.
٤- يزرع في القلوب روح المودة ويقطع دابر الخصومة.
٥- إظهار السلفية بثوبها الحقيقي المنسوج بمكارم الأخلاق.
هذا... والاختلاف سُنة كونية جارية، لكن الشرع والعقل والفطرة كلهم يأمرون بأن يكون الخلاف بميزان الأدب. فابدأ بالنصيحة الخاصة، فإن لم تغنِ فاعرض رأيك في العلن عرضاً جميلاً، يليق بمقام العلم والمروءة.
واعلم أن الكلمة إذا خرجت بوقارٍ ولطفٍ بلغت القلوب، وإذا خرجت بفظاظةٍ أغلقت الأبواب. فكن داعيةً لأدب الحوار قبل أن تكون داعيةً لرأيك، فالأدب يرفعك عند الخلق، وهو قبل ذلك زادك إلى الحق.

أيها الأحبة، تأملوا سيرة نبيكم صلى الله عليه وسلم، فإنها سيرة مضمَّخة بالحِلم والرحمة حتى مع المخالفين والجاحدين. لقد جاءه الأعرابي فجبذ بردائه حتى أثَّر في عنقه الشريف، فما كان منه إلا أن تبسّم وقال: «أعطوه». وكم ناظره أهل الكتاب وألحّوا في الجدال، فما زاد على أن قال لهم قولاً ليّناً وحجةً واضحة. هكذا كان إمام الهداة يربّي الأمة على أن الخلاف لا يكون مدعاة للفظاظة والمراء، بل سبيلاً لإظهار سموّ الخلق ورحابة الصدر. فإذا كان هذا خُلقه مع من ناوأه في العقيدة، أفلا يليق بنا ـ ونحن إخوة على جادة السلفية ـ أن نترفَّع عن الجفاء، وأن نكسو كلماتنا برداء الأدب، خصوصاً ونحن نتحاور في ساحات عامة كـ"فيس بوك" تترصدنا فيها الأبصار المعادية ويتربص بنا أهل الأهواء؟

وفي الختام، فلنجعل اختلافنا دعوة لا فرقة، ورحمة لا شِقاقاً، ومجالاً للبناء لا معولاً للهدم، ولنزن أقوالنا بميزان الشرع والأدب.
وكن على ذُكْرٍ من أن الثبات على الطريق والبركة في طلب العلم من أقوى أسسه الأخلاق الحميدة.
اللهم ارزقنا حسن الخلق وحُسن القول وحكمة الرد، واجعلنا هداةً مهتدين، واغفر لنا زلات ألسنتنا، واغسل قلوبنا من الرياء والكبر، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه
الثغر السكندري
صباح الجمعة ٢٧ / ربيع الأول/ ١٤٤٧ ه_

مواد ذات صلة