الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

بحث مختصر بيان الموقف من أقوال العالم المختلفة

١٥ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ٧ سبتمبر ٢٠٢٥
المقالات
بحث مختصر
في
بيان الموقف من أقوال العالم المختلفة
(اختلاف قولي شيخنا العلامة عبيد الجابري رحمه الله في الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله نموذجاً)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإنه لما كثرت أقوال الإمام الناقد يحيى بن معين – رحمه الله - واختلفت في طائفة كبيرة من الرواة، فقد اجتهد بعض الحفاظ من المحدِّثين في جمع أقواله وتوفيقها، وبيان مشروعية اجتهاداته، بل إن بعضهم أعلن التوقف عن الحكم أحيانًا حتى تتضح له القرائن والدلائل التي ترجّح أحد أقواله كالزركشي والسخاوي كما سيأتي، ومن ذلك:
1- أبو حفص عمر بن شاهين البغدادي (ت 385هـ) :حيث حاول في كتابه (المختلف فيهم) [ص: 43] ، أن يوفق ويجمع بين الأقوال، وهذا نموذج لمحاولاته:
• النعمان بن راشد الجزري أبو إسحاق الرَّقي ذكر قولي يحيى بن معين فيه: "ثقة" و "ليس بشيء"
• ثم قال: "وهذا الكلام من يحيى بن معين في النعمان بن راشد مختلف، فإن وافقه على أحد قوليه واحد كان القول قوله في أحدهما، وإلا فهو موقوف عن الصحيح؛ لأن الجرح أولى من التعديل" .
2- أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي القرطبي الحافظ (ت474هـ) : حيث قال في كتابه (التعديل والتجريح) [1/283 - 285] : "واعلم أنه قد يقول المُعَدِّل: فلان ثقة، ولا يريد به أنه ممن يحتج بحديثه، ويقول: فلان لا بأس به، ويريد أنه يحتج بحديثه، وإنما ذلك حسب ما هو فيه ووجه السؤال له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل في دينه المتوسط حديثه، فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان وفلان؟ فيقول: فلان ثقة، يريد أنه ليس من نمط من قرن به، وأنه ثقة بالإضافة إلى غيره.
وقد يُسأل عنه على غير هذا الوجه، فيقول: لا بأس به. فإذا قيل: أهو ثقة؟ قال: الثقة غير هذا.... وضرب مثالاً على ذلك بقول عبد الرحمن بن مهدي وقد سئل عن أبي خلدة - خالد بن دينار صدوق من الخامسة - أكان ثقة؟ فقال: كان خياراً، وكان مسلماً، وكان صدوقاً، الثقة شعبة وسفيان. وإنما أراد عبد الرحمن التناهي في الإمامة.... ولم يُرد أن يُبلغه مبلغ غيره ممن هو أتقن منه وأحفظ وأثبت، وذهب إلى أن يُبيّن أن درجته دون ذلك، ولذلك قال: كان خياراً، كان صدوقاً، وهذا معنى الثقة، إذا جمع الصدق والخير مع الإسلام" .
ثم ضرب بعض الأمثلة الأخرى على ذلك منها: "وقد روى عباس بن محمد الدوري عن ابن معين أنه قال: محمد بن إسحاق ثقة وليس بحجة، وأصل ذلك أنه سئل عنه، وعن موسى بن عبيدة الرَّبَذِي أيهما أحب إليك؟ فقال: محمد بن إسحاق ثقة وليس بحجة. فإنما ذهب إلى أنه أمثل في نفسه من موسى بن عبيدة الربذي....." .
وعلق الحافظ ابن حجر على كلام أبي الوليد الباجي هذا بقوله: "قاعدة جليلة فيمن اختلف النقل عن ابن معين فيه" كما في (بذل الماعون في فضل الطاعون) [ص: 116 - 117].
3- الحافظ الزركشي (ت 794هـ) : حيث قال حين شرح قول ابن الصلاح كما في (النكت على مقدمة ابن الصلاح) [3/361]: "إذا اجتمع في شخص واحد جرح وتعديل: " فيه أمور … السادس: هذا فيما إذا تعارضا من قائلين، فأما إذا تعارضا من قائل واحد فلم أر من تعرض له، وهذا يتفق ليحيى بن معين وغيره، يُروى عنه تضعيف الرجل مرة وتوثيقه أخرى، وكذا ابن حبان يذكره في الثقات مرة ويدخله في الضعفاء أخرى.
قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في المدخل: وهذا لأنه قد يخطر على قلب المسؤول عن الرجل من حاله في الحديث وقتاً ما ينكره قلبه، فيخرج جوابه على حسب الفكرة التي في قلبه، ويخطر له ما يخالفه في وقت آخر، فيجيب عما يعرفه في الوقت عنه. قال: وليس ذلك بتناقض ولا إحالة، ولكنه صدر
عن حالين مختلفين، عرض أحدهما في وقت والآخر في غيره". قلت: - القائل هو الزركشي - والظاهر في هذه الحالة، أنه إن ثبت تأخر أحد القولين عن الآخر فهو المعمول به، وإلا وجب التوقف كما سبق" .
4- الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) : فقد نبه الحافظ ابن حجر على منهج ابن معين واختلاف أقواله في الرواة في أكثر من موضع من ذلك قوله في أبي بَلْج - بفتح أوله وسكون اللام بعدها جيم - الفزاري الكوفي ثم الواسطي : "وقد وثقه يحيى بن معين والنسائي..... ونقل ابن الجوزي عن ابن معين أنه ضعفه. فإن ثبت ذلك فقد يكون سئل عنه وعمّن هو فوقه، فضعفه بالنسبة إليه. وهذه قاعدة جليلة فيمن اختلف النقل عن ابن معين فيه، نبه عليها أبو الوليد الباجي في كتابه "رجال البخاري" ويحتمل أن يكون ابن معين ضعفه من قبل رأيه، فإنه منسوب إلى التشيع. ولأجل هذا بالغ أبو إسحاق الجوزجاني فيه - كعادته في الحط على الشيعة - وتبعه أبو الفتح الأزدي...." انتهى من كتابه (بذل الماعون في فضل الطاعون) [ص: 117] .
وعقب على ذلك الحافظ السخاوي بقوله: "وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من الاختلاف في كلام أئمة الجرح والتعديل، فينبغي لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل؛ ليتبين ما لعله خفي على كثير من الناس، وقد يكون الاختلاف للتغير في الاجتهاد" (فتح المغيث) [ص: 377].
وقال في ترجمة هُدْبة بن خالد القيسي : "وقرأت بخط الذهبي: قوَّاه النسائي مرة وضعفه أخرى. قلت: لعله ضعفه في شيء خاص، وقد أكثر عنه مسلم، ولم يخرج عنه البخاري سوى أحاديث يسيرة من روايته عن همام" (هدى الساري) [ص: 447] .
5- الحافظ عبد الرحمن السخاوي قال في (فتح المغيث) [ص: 308]: " أما إذا كانا من قائل واحد كما يتفق لابن معين وغيره من أئمة النقد، فهذا قد لا يكون تناقضاً بل نسبياً في أحدهما، أو ناشئاً عن تغير اجتهاد، وحينئذ فلا ينضبط بأمر كليٍّ، وإن قال بعض المتأخرين: إن الظاهر أن المعمول به المتأخر منهما إن علم وإلا وجب التوقف" انتهى نحو ما ذكره سعدي بن مهدي الهاشمي في كتابه: (اختلاف أقوال النقاد في الرواة المختلف فيهم مع دراسة هذه الظاهرة عند ابن معين) [ص: 34 - 41].
قلت: هذه بعض مواقف العلماء من أقوال العالم الناقد إذا اختلفت، وعليها نسحب اختلاف قول شيخنا العلامة عبيد الجابري في الشيخ بكر أبو زيد حيث قال مرة: (قطبي جلد) [أي: مبتدع على رأيٍ]، ولما سأله السائل: هل نقول في الشيخ بكر أبو زيد إنه مبتدع لأنه يثني على سيد قطب؟ فقال: (ما قلنا هذا أبدا (أي: ما قلنا إنه مبتدع أبداً)، وإنما قلنا إننا مختلفون معه في الكلام على سيد قطب.....) فأقول وبالله التوفيق:
أولاً: اختلاف أقوال العلماء النقاد ليس تناقضًا بالضرورة، بل هو انعكاسٌ لاجتهادهم، أو لاختلاف سياق السؤال.
ثانياً: منهج العلماء في مثل هذه الحالات: العمل بالقول المتأخر إذا ثبت، لم يتضح لي أي القولين المتأخر فينسخ المتقدم، أو التوقف عند عدم اليقين، مراعاةً للحق وحفاظًا على الدقة العلمية، وهو قول الزركشي والسخاوي كما تقدم.
ثالثاً: وقد يكون الاختلاف في كلام شيخنا عبيد رحمه الله للتغير في الاجتهاد، وهو نحو ما قاله السخاوي.
رابعاً: وهو الراجح عندي: أن يقدم قوله في عدم التبديع موافقة لقول شيخنا الإمام ربيع رحمه الله كما هو مفهوم من كلام ابن شاهين رحمه الله السالف ذكره: (إن وافقه على أحد قوليه واحد كان القول قوله).
وبهذا - والفضل لله وحده - قد زالت الشبهة في دفع تعارض قولي شيخنا العلامة عبيد رحمه الله في الشيخ بكر ابو زيد رحمه الله، وأعيذك بالله، أيها القارئ، أن تفهم من كلامنا دفاعًا عما وقع فيه الشيخ بكر رحمه الله من مخالفات جسيمة تجاه المجرم سيد قطب، كما يفهمه السقيم الأبله شكيب العدني. فحاشا لله أن يكون هذا قصدنا، وإنما قصدنا بيان الحق من الباطل، والتمسك بغرز علمائنا الكبار، دون التعدي أو التجاوز كما يفعل ذاك المتهور الطائش البيلي.
فلنتمسك – إخوتاه - بالحق، ونقتدي بعلمائنا الكبار، ونحذر المتهورين، فإن في ذلك نجاة للنفس من الزيغ، ونجاحاً للدعوة، وسبيلًا للثبات على منهج السلف الصالح. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري – العصافرة بحري
ليلة الاثنين: 16 / ربيع أول / 1447هـ.