الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

هل يصح وجود حديث نُسخ بحديث آخر، مع احتمال أن بعض الصحابة لم يبلغهم الناسخ؟

٢٢ محرم ١٤٤٧ هـ١٧ يوليو ٢٠٢٥
الفتاوىالصلاة والطهارةالفقه والأحكام
السؤال التاسع والأربعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بارك الله فيكم يا شيخ.
هل يصح وجود حديث نُسخ بحديث آخر، مع احتمال أن بعض الصحابة لم يبلغهم الناسخ؟
مثل حديث التطبيق في الصلاة لعبدالله بن مسعود، هل يوجد انموذج اخر؟ بارك الله فيكم، احتاج الی الجواب كثيرا.
الحمد لله:
نعم، يصح وجود حديث نُسخ بحديث آخر، حتى مع احتمال أن بعض الصحابة لم يبلغهم الناسخ.
لكن هذا الاحتمال له أثر في فقه الصحابة واختلاف الفتوى بينهم، وليس في ثبوت النسخ ذاته.
فالنسخ لا يُشترط فيه أن يبلُغ جميع الصحابة، بل يكفي أن يكون الحديث الناسخ ثابتًا وصحيحًا، ويكون متأخرًا عن الحديث المنسوخ = فإذا ثبت ذلك، فإن الحكم الجديد (الناسخ) يُقدَّم، ولو لم يبلُغ بعض الصحابة حينها.
وعدم بلوغ الناسخ لبعض الصحابة قد حصل بالفعل غير حديث التطبيق كما جاء في سؤالك، فمثلاً: بعض الصحابة أفتوا بالحكم القديم (المنسوخ)، لأنهم لم يسمعوا الحديث الناسخ بعدُ كما في مسألة رضاع الكبير: فأمنا عائشة رضي الله عنها كانت تقول به، بينما باقي أمهات المؤمنين لم يكنّ يقلن به، لأنه بلَغهنّ الناسخ، والقاعدة الأصولية تقول: (العبرة بثبوت الناسخ، لا ببلوغ الجميع له)، أي: من بلغه الناسخ لزمه العمل به، ومن لم يبلغه، عُذر في فتواه بالحكم القديم.
وهذا هو أحد أسباب اختلاف الفتوى بين الصحابة، وهو اختلاف معتبر، لأنه مبني على تفاوت العلم وبلوغ النص،
وتفصيل النسخ ما ذهب إليه جمهور العلماء من المالكية والحنفية وكثير من الشافعية والحنابلة إلى أن حديث رضاع الكبير منسوخ، واستدلوا بعدة أمور:
1. أن الرضاع لا يُحرِّم إلا ما كان في الحولين:
لحديث ابن مسعود رضي الله عنه:
"لا رضاع إلا ما كان في الحولين".
[رواه الدارقطني وصححه ابن حبان وغيره].
2. أن النبي ﷺ لم يأمر غير سهلَة بذلك، ولم يُعمم الحكم.
3. عدم عمل باقي أمهات المؤمنين به:
قالت أم سلمة رضي الله عنها:
أبى سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخل عليهن أحد بهذا الرضاع"
[رواه مسلم].
4. حديث عائشة في النسخ:
قالت: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يُحرمن، فنسخن بخمس معلومات...) رواه مسلم
فاستدلوا بهذا على أن أحكام الرضاع مرت بمراحل، مما يدل على وجود نسخ.
والله أعلم.
السؤال الخمسون:
السلام علیكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله شيخنا الكريم، وأسأل الله أن تكونوا بخير وعافية.
شيخنا الكريم انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة إنشاء مجالس علمية يُخصَّص فيها يومٌ واحد لشرح كتابٍ من كتب السلف، بحيث يُقرأ ويُشرح الكتاب كاملاً — وغالبًا ما يتجاوز مئتي صفحة — من الفجر حتى العشاء، وهمُّ القائمين على المجلس أن يُنهى الكتاب في ذلك اليوم، دون اعتبار لمقدار الفهم أو التحصيل عند الطلبة. وقد يُشارك بعض الطلاب في المجلس ولا يخرجون منه بفائدة تُذكَر، لصعوبة الكتاب أو ضيق الوقت لفهمه.
فهل هذه الطريقة تُعد من منهج أهل العلم والسير على طريقتهم في التعليم؟ وهل ترون فيها نفعًا حقيقيًّا لطالب العلم؟ نرجو منكم التوجيه والنصيحة، جزاكم الله خيرًا.
الحمد لله:
اعلم علمني الله وإياك أن هذه الطريقة - وهي قراءة كتابٍ من كتب السلف كاملًا في يومٍ واحد، دون ضبط ولا شرح كافٍ - ليست من منهج أهل العلم ولا رأينا مشايخنا الكبار يفعلونها – وقد جالسنا الكثير منهم ولله الحمد والمنة السنين الطوال -، فلم تكن من طريقتهم المعروفة في التعليم.
بل هي أقرب إلى العرض منها إلى التعليم والتحصيل الحقيقي، وغالبًا ما لا تتحقق بها مقاصد العلم، لا في الفهم، ولا في التدرج، ولا في ضبط المسائل.
وأهل العلم قديمًا وحديثًا ساروا على منهج واضح في التعليم وهو: التدرج في الطلب، من المختصرات إلى المطوّلات، مع الشرح والبسط، والوقوف مع العبارات، والتكرار والإعادة، والاهتمام بالفهم قبل الحفظ، ثم بالضبط بعد الفهم.
قال الإمام الزهري رحمه الله: «‌مَنْ ‌طَلَبَ ‌الْعِلْمَ ‌جُمْلَةً فَاتَهُ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ الْعِلْمُ حَدِيثٌ وَحَدِيثَانِ» وقال أيضاً: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ إِنْ أَخَذْتَهُ بِالْمُكَابَرَةِ لَهُ غَلَبَكَ، وَلَكِنْ خُذْهُ مَعَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي أَخْذًا رَفِيقًا تَظْفَرْ بِهِ». وكان شُعْبَة بنُ الحجاج وهو أمير المؤمنين في الحديث يَقُولُ: " كُنْتُ آتِي قَتَادَةَ فَأَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثَيْنِ، فَيُحَدِّثُنِي ثُمَّ يَقُولُ: أَزِيدُكَ؟ فَأَقُولُ: لَا حَتَّى أَحْفَظَهُمَا وَأُتْقِنَهُمَا " أخرج ذلك كله الخطيب في (الجامع) [1/ ص:232 رقم: 449 ، 450 ، 451] .
وعلم أن المجالس التي تهدف لإنهاء الكتاب في يوم يغلب عليها:
1- الاستعجال على حساب الفهم.
2- ضيق الوقت عن بسط المعاني.
3- قلة التفاعل.
4- عدم مراعاة مستوى الطلبة.
5- وأحيانًا يكون القصد مجرد الانبهار بكثرة ما يُقرأ، وهذا كله لا يثمر علمًا راسخًا، ولا طالب علم ناضجًا.
نعم، قد يكون فيها خير ونِيَّة طيبة، أو تذكير أو تعظيم للعلم، أو تعارف بين الطلبة، لكنها لا تُغني عن الطلب الحقيقي المتين.
فلو قُرئ كتاب مختصر واضح، بشرح بسيط يناسب الحاضرين، فقد يُفيد بعضهم.

أما أن يُقرأ كتاب طويل، وفيه مسائل دقيقة من الفقه أو العقيدة أو الأصول أو المصطلح، ويُشرح على عجالة من الصباح إلى الليل، فهذا لا يُعد تحصيلًا ولا تعليمًا على الطريقة السلفية كما يفعله البيلي عندنا في مصر يخدع به بعض الطلبة عنده، بل إن بعض الطلبة الجهلة عنده يعدون ذلك من مناقبه، بل يجعلونه العلامة الفهامة بسبب تلك الطريقة المغايرة لعمل العلماء من السلف والخلف.
وأما ما يحتجون به من فعل بعض العلماء كالحافظ ابن حجر فهو حجة عليهم لا لهم فقد أخبر الحافظ ابن حجر عن نفسه فقال: "قرأت على بعض مشايخي الكتاب الفلاني من بعد صلاة الفجر إلى المغرب، لا نقوم إلا للصلاة والأكل." وكان يقرأ على شيخه الفيروزآبادي وغيره بالساعات الطويلة، حتى قال بعضهم: "لو وُزّعت همته في الطلب على جماعة لوسعتهم." وكذلك الإمام النووي رحمه الله كان لا ينام في اليوم والليلة إلا ساعتين فقط، ويقرأ على مشايخه ما يزيد على 12 درسًا يوميًا، يقول الذهبي عنه: "كان يقرأ على مشايخه في النهار، ويراجع ويصنّف في الليل." وقال الإمام السخاوي رحمه الله كما في "الضوء اللامع": "كنا نقرأ على شيخنا الحافظ ابن حجر من بعد الفجر إلى المغرب، وقلّ أن نترك حلقةً من الحلق، وكنا نأكل سريعًا ونرجع للقراءة." وكان الحافظ عبد الغني المقدسي
يجلس للتحديث والقراءة من أول النهار إلى المساء، وكان الطلبة يزدحمون عليه، يقول الذهبي: "كان الناس يقرؤون عليه ليل نهار، وقلّ أن يوجد مثله في شدة الهمة."

قلت: كل ذلك محمول على علو الهمة في القراءة ( الإسماع) والعرض على الشيخ.

وفي المقابل كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقرأ عليه طلابه من بعد الفجر، ويجلسون في مجلسه حتى المساء، وهو يُفتي ويشرح ويقرأ، وكان لا يضيع لحظة إلا في نفع، وهكذا كان شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في دورة الصيف: يبدأ درسه بعد الفجر مباشرة، ثم يواصل الشروح والفتاوى حتى قبيل المغرب، لا يقوم إلى للصلاة والغذاء بعد الظهر له وللطلبة قريب من نصف ساعة.
قلت: وهذا محمول على علو الهمة في الشرح والبسط من شيخ الإسلام ابن تيمية المشهور بالهمة العالية في الشرح والبسط في كتبه حتى في الإجابة على الفتاوى كما هو معلوم عنه، لا يسرد العلم سردا دون تبسيط وتسهيل للجالس، وكذلك ما كان يفعله شيخنا العلامة ابن عثيمين رحمه الله، فكان يتحين فرصة العطلة الصيفية لنفع الطلاب وخاصة المغتربين الذين يجيئون إلية من شتى بقاع الأرض، ولا يخفى على أحد طريقته في الشرح السهلة الميسورة، وهي مبثوثة في أشرطته وكتبه، فالسرد والعرض شيء، والشرح والبسط فيه شيء آخر، والله أعلم

مواد ذات صلة