الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الكتب والرسائل

حين يُتَّخذُ الدَّاءُ موردًا: من حلاقِ الصِّحَّة إلى دُعاةِ التلبيس والتدليس

١٠ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ٢٧ أبريل ٢٠٢٦
الكتب والرسائلالردودالمقالاتعلوم الحديث
مقال بعنوان: (حين يُتَّخذُ الدَّاءُ موردًا: من حلاقِ الصِّحَّة إلى دُعاةِ التلبيس والتدليس)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:
يُحكى – على وجه الاعتبار لا الإخبار – أن جزارًا أصابته شظيةُ عظمٍ في عينه، فاستقرَّ بها الألم، واستمرَّ منها السَّقَم، وسالت لها الدموع، وضاقت عليه السُّبُلُ وانسدَّت المسالك، واشتدَّ به الكربُ وتتابعت المهالك؛ فقصَد العلاجَ حيث يُتوهَّم، وسعى إلى من يُؤمَّل عنده الشفاء وإن ضعف العلمُ ووَهَن الفهم.
فقُدِّر له أن أتى حلاقًا كان يُعرف بين الناس بـ(حلاق الصِّحة)، يُداوي على قَدْر علمٍ قاصر، ويُعالج على فَهْمٍ فاتر؛ لا يُحسن استئصال الداء، بل يُجيد إخفاءه، ولا يُتقن شفاء العِلَّة، بل يُحكم ستْرها.

فنظر الحلاقُ نظرةً لا رأفةَ فيها ولا شفقة، ولا لينَ فيها ولا رِفق، بل نظرَ نظرة مُنتفعٍ مُترقِّب، يُقدِّر المكسب قبل إزالة السبب؛ فعمد إلى العين فشدَّها برباط، وترك أصل الداء في أعماقها مستكنًّا، ثم قال في مكر وخبث: راجعني كل يومٍ نُجدِّد لك الدواء، وما هو – في الحقيقة – إلا تجديدُ غطاء، لا رفعُ بلاء.
فصار الجزار يأتيه صباح مساء، يحمل معه لحمًا وكبدة، رجاءَ الشفاء، والحلاق يحلُّ ويعقد، ويُبدِّل ولا يُصلح، ويُداوي الظاهر ويُبقي الباطن، حتى طال البلاء، واستطال العناء، وتتابعت الآلامُ غُدُوًّا ورَواحًا، وبقيت الشَّظيَّةُ في موضعها كالجمرِ المستكنِّ، تكويه كلَّ حينٍ فلا يهدأ له وجعٌ ولا يسكن له أرق.
حتى إذا غاب (حلاقُ الصِّحة) يومًا، قام الابن مقامه، فنظر بعينِ الصدق لا بعينِ الطمع، وبقصدِ الإصلاح لا قصدِ المنفعة؛ فاستخرج الشَّظيَّة، وطهَّر الجرح، وربط العين ربطًا صحيحًا مُتقنًا، فانبجس الشفاء، وانكشف البلاء، وزال الضُّر، وعاد البصر بعد الكدر.
فلما رجع الأب، وسأل عن الخبر، قال له الابن: قد أزلتُ الشَّظيَّة ، وشُفيَ الرجل من العِلَّة، فغضب غضب من انقطع عنه السبب، وقال: ويحك! أأخرجت ما كان يدرُّ علينا الرِّزق؟! أذهبت موردنا، وقطعت عائدنا؟!

فهذه – والله – صورةٌ ناطقة، وعِبرةٌ صادقة، تُجسِّد حالَ طوائفَ من أهل الباطل في كل زمانٍ ومكان؛ يُبصرون الخطأ إبصارَ العيان، ويعرفون الداء معرفةَ الإيقان، ثم لا يُزيلونه ولا يُداوونه، لا عجزًا عن بيان، ولا قصورًا عن برهان، ولكن لأن في بقائه سلطانًا، وفي دوامه مكسبًا وأعوانًا، فهم للحق كاتمون، وعلى الباطل مقيمون، وبالدنيا مفتونون.

فالشَّظيَّةُ عندهم ليست عيبًا يُجتثُّ، ولا عارًا يُجتنب، بل موردًا يُرتقب، ومغنمًا يُكتسب؛ يجمعون بها الأتباع، ويُحرِّكون بها النزاع، ويُلبِّسون بها على الرعاع، ويستدرُّون بها دنيا زائلة، ويُشيِّدون بها مكانةً باطلة، فصار الداء تجارة، والضلال إمارة، والحق عندهم خسارة!

وقد يصدق فيهم قول الله جل وعلا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ فما كل جاحدٍ جاهل، ولا كل مُعرِضٍ غافل، بل منهم من استيقن ثم عاند، وأبصر ثم جحد، فآثر الهوى على الهدى، واستبدل الضلالة بالرشد.
وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فكان الجزاء من جنس العمل، والخذلانُ ثمرةَ الزلل؛ زاغوا اختيارًا، فأُزيغوا اضطرارًا، وأعرضوا استكبارًا، فسُلبوا التوفيق إصرارًا.

وفي الحديث الصحيح: «…اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضَلُّوا» فهم – والله – كـ (حلاق الصِّحة) الخبيث الماكر؛ يُحسن اللفَّ والربط، ويُتقن ظاهر الضبط، ويُفسد الأصل ويُبقي العطب؛ يُداوي القشر ويترك الجوهر، ويُصلح الصورة ويُهمل المخبر، فزادوا الناس عَمًى على عَمًى، وضلالًا فوق ضلال.

بل هم – إن أمعنتَ النظر، وأحددتَ الفكر – أحرصُ على إبقاءِ الداءِ في المريض، من حرصِ المريضِ على برئه، وأشدُّ تعلُّقًا بالعِلَّة في صاحبها، تعلُّقَ من يرى فيها قِوامَ أمره، ودوامَ ذكره؛ إذ في بقاء الداء بقاءُ سلطانهم، وفي رسوخ العِلَّة رسوخُ شأنهم، فهم لها رُعاةٌ لا أطباء، وحُماةٌ لا مُداوون.
فيا طالب العلم ... المنهج ... المنهج ...
فإذا قيل لهم: عالِجوا الداء، قالوا في تلبيسٍ وتمويه: وأيُّ دواءٍ أنجعُ ممَّا وصفناه، وأيُّ مسلكٍ أحكمُ ممَّا سلكناه؟!
وما هو – في الحقيقة – إلا تزيينُ علَّة، وتثبيتُ بلية؛ يُداوون القِشور ويهملون الجذور، ويُسكِّنون الألم ويُبقون العِلَل، ويُطفئون الظاهر ويُذكون الباطن، ويُرقِّعون الخَرْق ويُوسِّعون الفَتْق.
فيا طالب العلم ... المنهج ... المنهج ...
يُحسِّنون العبارة ويُفسدون الإشارة، ويُظهرون الصلاح ويُضمرون الجراح، فعملهم خداع، وصنيعهم ضياع، لا يرفع داءً ولا يدفع بلاء.
فشتَّان – وربِّ الأرض والسماء – بين من يُداوي الداء فيستأصله، فيبرأ الجسد ويصفو المورد، وبين من يُداري البلاء فيُطيل أمده، ويُضاعف حمله، حتى يستحكم الفساد، ويعظم العناد.
فذاك ناصحٌ مُخلِص، وهذا مُلبِّسٌ مُتكسِّب، وبينهما بونٌ بعيد، وفرقٌ شديد.
فيا للعجب! كيف استحلى القوم مرارة الباطل، واستثقلوا حلاوة الحق؟!
وكيف آثروا داءً يُردي، على دواءٍ يُشفي؟! ولكنها القلوب إذا ركنت إلى الهوى عميت، وإذا أخلدت إلى الدنيا صَمِتَت، فلا ترى حقًا ولا تسمع نصحًا، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
فانظر – رحمك الله – إلى تمام المشابهة ودقَّة المطابقة:
• الشَّظيَّة: خطأٌ مُستقر، ومنهجٌ مُنحرف مُستمر.
• والحلاق: منتفعٌ بالخلل، مُقيمٌ على الدَّغل.
• والجزار: تابعٌ مخدوع، بين ألمٍ وخضوع.
• واللحم والكبدة: دنيا تُستجلب، ومصالح تُكتسب (دولارات ودراهم).

فيا طالب العلم ... المنهج ... المنهج ...
ولماذا لا يرجعون؟
• لأن الرجوع هدمُ ما شيَّدوا، وكشفُ ما زيَّنوا، وفضحُ ما لبَّسوا.
• ولأن الخطأ صار لهم سُلَّمًا، لا سَقطة، ومكسبًا لا مَعْرَة.
• ولأن الهوى إذا تمكَّن، أعشى الأبصار، وأفسد الاعتبار.
فيا طالب العلم ... المنهج ... المنهج ...
فالواجبُ عند ظهورِ مثلِ هذه الأحوالِ الملتبسة، والوقائعِ الملتبِسة، ما درج عليه السلفيون الأقحاح؛ بيانٌ لا كِتمان، وصدقٌ لا بهتان، ونصحٌ لا مداهنة، وحقٌّ لا مجاملة، وثباتٌ لا اضطراب، وعزمٌ لا ارتياب.
يُجهرون بالحق ولا يدلِّسون، ويُحذِّرون من الباطل ولا يُداهنون، لا تغرُّهم كثرةُ الدروسِ والمحاضرات، ولا زخرفُ العباراتِ والرَّنَّات، ولا علوُّ الأصواتِ والصيحات؛ فإن العبرةَ بالحقائق لا بالمظاهر، وبالاستقامة لا بالكثرة، وبالمنهج لا بالزخرفة.

يمضون على الجادَّة لا يلتفتون، ويقصدون الحق لا يساومون، شعارهم الاتباع لا الابتداع، وميزانهم الدليل لا التهويل.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
وخاتمة القول وزبدة المقال:
ليس كل تاركٍ للرجوع جاهلًا، بل قد يكون عارفًا متأوِّلًا، أو عامدًا متحيِّلًا، لكنه رأى في بقاء الشظية بقاءَ جاهه، وفي دوام العِلَّة دوامَ سلطانه، فاستمرأ الباطل، واستثقل الرجوع، فكان في ذلك هلاكه، وهلاك من اتَّبعه وسار على نهجه وطبعه.
فاحذرهم – يا طالبَ العلم – حذرَ البصيرِ بمواضع الزلل، المستمسكِ بحبلِ الأثر، وتمسَّكْ بمنهجك الأصيل تمسُّكَ الغريقِ بالنجاة، واستعن بالله استعانةَ من أيقن أن لا حول له ولا قوّة إلا به، ولو كنتَ فردًا بين الجموع، أو غريبًا بين الصفوف.
وليس أمامك – بعد وضوح السبيل، وانكشاف الدليل – إلا الله، ثم الله، ثم الله؛ إليه المآل، وعليه التكلان، وبه الاعتصام والاتكال.

أمامك الحقُّ فاثبت عليه ثباتَ الجبال، ولا تُزحزِحنَّك عنه رياحُ الأقوال، وأمامك الهدى فاسلكه سلوكَ الواثق الموقن، ولا يصدَّنَّك عنه صادٌّ ولا صارف، ولا يُثبِّطنَّك مُلبِّسٌ ولا مُحرِّف.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾، ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، ﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
فاصبر صبرَ الموقنين، واثبت ثباتَ الصادقين، فإن العاقبة للمتقين، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه أجمعين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه
الإسكندرية 8 ذو القعدة 1447 هـ.
١١ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ 238
حين يُتَّخذُ الدَّاءُ موردًا: من حلاقِ الصِّحَّة إلى دُعاةِ التلبيس والتدليس
١١ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ 239
حين يُتَّخذُ الدَّاءُ موردًا (1).pdf
1.1 MB