الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الكتب والرسائل

صدعُ البيان، وصبرُ الأذى… طريقُ العلماء الربانيين

١٠ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ٢٧ أبريل ٢٠٢٦
الكتب والرسائلالمقالاتالرقائق والآداب
مقال بعنوان: (صدعُ البيان، وصبرُ الأذى… طريقُ العلماء الربانيين)
(فضيلة الشيخ نزار بن هاشم حفظه الله نموذجاً)


الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أحمدُه حمدًا يليقُ بجلالِه وكمالِه، حمدًا يملأُ السمواتِ والأرضَ وما بينهما وما شاءَ من شيءٍ بعد، أمرَ بالبيان فكان نورًا يُهتدى به، ونهى عن الكتمان فكان ظلمةً يُتقى شرُّها، فقال سبحانه: ﴿‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌يَكْتُمُونَ ‌مَا ‌أَنْزَلْنا ‌مِنَ ‌الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاّعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]، فجعل البيانَ حياةَ القلوب، والكتمانَ موتَها، وجعل أهلَ الصدع بالحقِّ ورثةَ الأنبياء، وأهلَ الإخفاء والتلبيس عُرضةً للوعيدِ والبلاء.

ونشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجِّي قائلَها يومَ اللقاء، وتُثبِّتُ صاحبَها عندَ البلاء، ونشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغُمَّة، وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واستنَّ بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنَّ زمنَ الفتنِ إذا ادلهمَّت خطوبُه، واشتبهت دروبُه، وارتفعت فيه أصواتُ الشبهات، وخفَتَت فيه أنوارُ البينات؛ كان البيانُ فيه فرضًا، والكتمانُ فيه جرمًا، وكان الصادعُ بالحقِّ غريبًا، والممسكُ عنه قريبًا من هوى النفوسِ وأسيرًا.
وفي مثلِ هذه المواطنِ تُعرفُ معادنُ الرجال، ويتميَّزُ أهلُ الصدقِ من أهلِ الدجل، ويعلو صوتُ من باعوا دنياهم بآخرتهم، ويخفتُ ذكرُ من باعوا آخرتهم بعرضٍ من الدنيا قليل.
فإن من نعم الله على هذه الأمة أن يقيِّض لها في كل زمان رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يحملون أمانة البلاغ، ويصدعون بالحق، لا تأخذهم في الله لومة لائم؛ ومن هؤلاء –فيما نحسبه والله حسيبه– فضيلة الشيخ العالم النحرير نزار بن هاشم العباس حفظه الله.
لقد كان أمامه –كما هو حال كثير من الناس– طريقٌ سهلٌ معبَّد، طريق الصمت المريح، الذي تُشترى به القلوب، وتُستجلب به المحامد من العامة، ويُنال به رضا أهل الأهواء؛ طريقٌ سلكه من آثر السلامة على العزيمة، وركن إلى الدعة وترك القيام بواجب البيان.
غير أن الشيخ –وفقه الله– لم يسعه السكوت كما وسع غيره، ولم يُطِق أن يرى الالتباس يعمُّ، والشبهات تتقاذف عقول الشباب، ثم يلزم الصمت؛ بل اختار طريق الأنبياء، طريق البلاغ المبين.

فحمل على عاتقه أمانة عظيمة، أمانة إيضاح المدلهمات، وكشف المتشابهات، ورد الشبهات إلى المحكمات، إبراءً لذمته أمام الله، وقيامًا بما أوجب الله عليه من البيان، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].

ولم يكن مقصوده –فيما يظهر– مجرد الردود والجدل، بل كان همه الأكبر نجاة الشباب، وإنقاذهم من براثن الانحراف، ومن مزالق الغلو، وشطط الخروج على ولاة الأمر، ومسالك التضليل التي أوردت أممًا موارد الهلكة؛ فقام مقام الناصح المشفق، يذبُّ عن الدين، ويحفظ على الأمة عقيدتها ومنهجها.

وإذا كان هذا شأنه، فلا عجب أن تُشهر في وجهه السهام، وأن يُرمى من قِبَل الجهلة عن قوسٍ واحدة؛ فإن أهل الأهواء لا يحتملون صوت البيان، ولا يطيقون نور الحجة، إذ لا صوت عندهم يعلو فوق صوت العنترية الجوفاء، ولا حجة لديهم إلا ضجيج الحناجر البيضاء.

وقد جرت سنَّةُ الله التي لا تتبدَّل، وحكمتُه التي لا تتحوَّل: أنَّ من صدع بالحق أُوذي، ومن رفع لواء البيان عُودي، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31]؛
فهو ميراثُ النبوَّة، وعنوانُ الصدق، ودليلُ الإخلاص، أن يُبتلى المرءُ في ذات الله، ويُؤذى في سبيل الله، ويُرمى وهو ثابتٌ لا يزيغ، وصابرٌ لا يضيق.
لكنَّ العاقبةَ للمتقين، والنصرَ مع الصبر، والفرجَ مع الكرب، وأهلُ الثبات هم أهلُ العزِّ والظفر، لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمرُ الله وهم على ذلك ظاهرون.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، رضي الله عنه، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنِ ‌الْتَمَسَ ‌رِضَا ‌النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ، سَخَطَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ» رواه الترمذي وابن حبان وغيرهما وصححه الألباني رحمه الله في (الصحيحة) [رقم: 2311]؛ فطوبى لمن آثر رضى ربِّه على هوى خلقه، وباع الفاني بالباقي، واختار طريقَ الجنة وما حفَّ من عناء على درب الزيف والرياء..

فاللهم اجزه خير الجزاء، وأوفِه أعظم العطاء، على صبره وثباته، واجتهاده ومثابرته، وقيامه بالحق إذ قعد غيره، وصدعه بالبيان إذ آثر سواه الصمت والمداراة والكتمان؛ اللهم بارك في علمه، وزد في فهمه، وثبِّت قدمه، وارفع درجته، واجعل ما لقيه فيك رفعةً له يوم يلقاك.
اللهم وانصر به الحق، وأعزَّ به الدين، واجعل له في قلوب عبادك القبول الحسن والذكر الجميل، واكتب له أجرَ المجاهدين بالبيان، الصابرين على الأذى والخذلان.
اللهم كما جمعتَه على الحق، فاجمعه مع إخوانه من أهل الصدق واليقين؛ مع فضيلة الشيخ علي الحذيفي، وفضيلة الشيخ فواز المدخلي، والدكتور شريف الترباني والشيخ بشارة الترباني، والدكتور أبي عياض أمجد رفيق والشيخ شهاب الدين ابن شيخنا العلامة حسن بن عبد الوهاب البنا - رحمه الله - والشيخ مجدي الشحري والشيخ عبد الكريم القيتولي وسائر المشايخ الفضلاء، وطلاب العلم النجباء، الذين صدعوا بالحق فما لانوا، وثبتوا على الجادة فما مالوا، وبذلوا نصحهم للأمة فما توانوا، وقاموا لله شهداء بالقسط، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبيعون دينهم بعرضٍ زائلٍ زاهق.

اللهم احفظهم بحفظك، واكلأهم بعينك، وأيّدهم بنصرك، واجعلهم مفاتيحَ للخير مغاليقَ للشر، وانفع بهم البلاد والعباد، وردّ بهم كيد أهل الأهواء والفساد.

اللهم واجعل لهم لسان صدقٍ في الآخرين، وذكراً طيباً في العالمين، وأجرًا موفورًا يوم الدين، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، والحمد لله رب العالمين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية ليلة الثلاثاء 11 ذو القعدة 1447 هـ.
١١ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ 241
صدعُ البيان، وصبرُ الأذى… طريقُ العلماء الربانيين
١١ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ 242
صدعُ البيان، وصبرُ الأذى.pdf
1.8 MB