الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. المقالات

الحلقة الثانية في

٤ رجب ١٤٤٧ هـ٢٤ ديسمبر ٢٠٢٥
المقالاتالرقائق والآداب
الحلقة الثانية في:
(قراءة منهجية لمختارات من كلام شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من أنفع ما يُستضاء به في زمن الفتن والاضطراب في مناهج الطلب والدعوة، كلامُ الأئمة الراسخين، الذين خبروا واقع الدعوة، وعرفوا آفاتها، وحذَّروا منها تحذيرَ الناصح المشفق، لا تحذيرَ المتحزِّب المتشفِّي.

ومن هذا الباب يأتي كلامُ شيخنا الإمام العلامة ربيع بن هادي المدخلي –رحمه الله– الذي يُعدُّ من النصوص المنهجية الواضحة في باب طلب العلم، ومحاربة التعصُّب، وفضح مظاهر التقديس المذموم للمشايخ.
قال شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله: (أكرر عليكم: اتركوا التعصبات الهوجاء، أنا أعرف أن بعض الناس في دول الخليج (ما أبغى أسمي الدولة هذه)، إذا سافر تلاميذه إلى علماء تلك البلاد يغضب، ويقول: (كيف تتركوني؟!) (أنتم تشكُّون فيَّ) (أنتم… أنتم) .
يا أهوج، كان للرجل الواحد من أئمة الحديث ألف شيخ أو ألفان. وابن حبان – أظن – له ألفين شيخ، من شرق آسيا إلى غربها.
فالتكثُّر من الشيوخ علامة على التجرُّد لله وطلب الحق، وشيوخه ما أحد يزعل من الآخر، بل يزوِّده ليصل إلى محل أخيه الثاني.
تقول له: (لا تروح إلى المشايخ، إذًا أنت تشكُّ فيَّ)! هذه عصبية رعناء وجاهلية هوجاء، يجب أن تُحارَب، ويجب أن يسقط أهلها إذا أبوا أن يعودوا إلى الطريق الواضح) انتهى كلامه رحمه الله.
فأقول وبالله التوفيق:
أولًا: مركزية محاربة التعصُّب في كلامه:
قوله –رحمه الله–: «أكرر عليكم: اتركوا التعصبات الهوجاء» ليس مجرد نهيٍ عابر، ولا تنبيهٍ عاطفيٍّ طارئ، بل هو صيحةُ تحذيرٍ منهجية، صدرت عن بصيرةٍ وخبرةٍ طويلةٍ بواقع الدعوة وآفاتها. فالتكرار في خطابه يدل دلالةً بيِّنة على أن التعصُّب داءٌ متأصِّل، تسلَّل إلى القلوب حتى صار عند بعضهم دينًا يُدافع عنه، لا خُلُقًا مذمومًا يُتخلَّص منه، فاحتاج إلى إلحاحٍ في الإنكار، وتشديدٍ في البيان.
وهذا التعصُّب لا يقف عند حدِّ الانتصار النفسي، بل يجرُّ وراءه مفاسد عظيمة، من أخطرها:
• تضييق آفاق طلب العلم؛ إذ يُربَط الطالب بشيخٍ واحد، أو جماعةٍ بعينها، فيُحجَب عن سعة الميراث النبوي، ويُحاصَر فكره بسياجٍ ضيِّقٍ لا يتجاوز أسماءً محدودة وآراءً معيَّنة.
• تقديس الأشخاص؛ حيث تتحوَّل مكانة الشيخ من منزلة العالم المُستفاد منه إلى مرتبةٍ يُدافَع عنها بالباطل، ويُردُّ لأجلها الحق، فيُوزَن الدليل بالرجال بدل أن يُوزَن الرجال بالدليل.
• تحويل المشايخ إلى محاور اصطفاف وصراع؛ فتُبنى الولاءات والبراءات لا على السُّنَّة والآثار، بل على القرب والبعد من هذا الشيخ أو ذاك، فتتشرذم الدعوة، وتتمزَّق الصفوف، ويُستبدل منهج الاجتماع على الحق بثقافة التحزُّب والخصومة.
ووصفُه –رحمه الله– لهذه التعصُّبات بأنها «هوجاء» وصفٌ بالغ الدقة؛ إذ الهوجاء هي التي لا زمام لها ولا عقل، تمضي بها الأهواء حيث شاءت، بلا علمٍ يهديها، ولا هدىً يضبطها. فهي تعصُّباتٌ عمياء، انفعالية، لا تقوم على ميزان الدليل، ولا تنقاد لقواعد المنهج، وإنما يحكمها الهوى، وتغذِّيها العصبية، ويُؤجِّجها الخوف على المكانة لا الغيرة على الحق.

ومن هنا يتبيَّن أن إنكار الإمام ربيع –رحمه الله– لهذا المسلك ليس إنكارًا لخطإٍ جزئي، بل هو مواجهةٌ جذرية لانحرافٍ منهجيٍّ خطير، لو تُرِك دون علاج لأفسد العلم، وأفرغ السلفية من حقيقتها، وحوَّلها من دعوةٍ قائمة على الاتباع والتجرُّد إلى رايةٍ عصبيةٍ تُخاصِم باسم المنهج وهي أبعد ما تكون عنه.
ثانيًا: إنكاره – رحمه الله - على احتكار المشيخة والعلم:
إن إشارةَ الإمام ربيع –رحمه الله– إلى أولئك الذين يغضبون إذا توجَّه تلاميذهم إلى غيرهم من العلماء، ليست حكايةَ واقعٍ عابر، ولا وصفَ حالةٍ فردية، بل كشفٌ صريحٌ لظاهرةٍ خطيرةٍ ابتُليت بها بعض البيئات الدعوية، وهي تحويل المشيخة من مقام تبليغٍ وأمانةٍ إلى مركز امتلاكٍ واصطفاف، يُقاس به الإخلاص، وتُختبر عنده النيات.

فحين يُعامَل توسُّعُ الطالب في الطلب، وتنقُّلُه بين العلماء، على أنه شكٌّ في الشيخ، أو خيانةٌ له، فإننا نكون أمام انحرافٍ عميقٍ في فهم العلم ورسالة أهله؛ إذ يُنصَّب الشيخ محورًا، ويُجعل هو الميزان، وتُفتَّش نيات الطلاب لا بميزان الشرع، بل بميزان العصبية والغيرة المذمومة.

وهذا المسلك المنحرف يجتمع فيه من الباطل ما يجعله:
1- مخالفًا لمنهج السلف الصالح؛ فإنهم كانوا أوسع الناس صدورًا، وأبعدهم عن تضييق الطلب، وكان أحدهم يدلُّ طلابه على من هو أعلم منه، ويحثُّهم على الرحلة، كما قيل لأحمد بن حنبل : « رجل ‌يطلب ‌العلم ‌يلزم ‌رجلاً ‌عنده علم كثير، أو يرحل؟ قال: يرحل، يكتب عن علماء الأمصار، فيشافه الناس ويتعلم منهم». انتهى من فتح الباري [1/175 رقم: 79].
2- مصادمًا لتاريخ الأمة العلمي؛ إذ لم تُبنَ مدارس الحديث، ولا ازدهرت العلوم، إلا على الرحلة، وتعدُّد الشيوخ، وتنوُّع المشارب، حتى صار ذلك سمةً بارزةً من سمات أهل السنة، لا يُنكِرها إلا جاهل أو متعصِّب.
3- مناقضًا للإخلاص الذي هو روح العلم؛ لأن من أخلص لله لم يطلب لنفسه أتباعًا، ولا خاف أن يُعرَف الحق على يد غيره، بل فرح بانتشار السنة ولو لم تُنسب إليه.
ولهذا جاء ردُّ الإمام ربيع –رحمه الله– قاطعًا حازمًا، حين نعت هذا التصوُّر بالأهوج؛ إذ يجتمع فيه الجهل بحقيقة العلم، والعمى عن مقاصده، والانحراف عن طرائق أهله الراسخين. فالعلم في ميزان الشرع ليس مُلكًا خاصًّا يُحتكَر، ولا متاعًا شخصيًّا يُصادَر، ولا رايةَ ولاءٍ يُطالَب الناس بالاصطفاف تحتها، وإنما هو ميراث النبوَّة الخالص، كما قال النبي ﷺ: «العلماء ورثة الأنبياء»؛ ووراثة الأنبياء ليست استحواذًا ولا تسلُّطًا، بل تبليغٌ وبذل، ونشرٌ للهدى، وإيصالٌ للحق إلى من قصده، بلا منعٍ ولا تضييق.
وقد دلَّ الكتاب والسنة على بطلان هذا المسلك من وجوهٍ كثيرة؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]، وهذه الآية الكريمة أصلٌ عظيم في فتح أبواب الطلب، وتوسيع آفاق التعلُّم؛ إذ إن الزيادة في العلم لا تتحقَّق بحصر النفس على شيخٍ واحد، ولا بلزوم اسمٍ بعينه، وإنما تكون بالتوسُّع المشروع، والتنقُّل الحكيم، مع حفظ الفضل، ومعرفة الأقدار، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.
ثم إن العلم كثير، واسع الأطراف، متشعِّب الفنون، لا يحيط به فردٌ واحد، ولا يُستوعَب على يد شيخٍ بعينه، بل هو رزقٌ مقسومٌ بين عباد الله، يفتح الله على هذا في باب، وعلى ذاك في باب، ويجعل عند كلٍّ علمًا ليس عند غيره، كما قال سبحانه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].
ولهذا كان من كمال العقل، وصدق القصد، أن يسعى طالب العلم لتحصيل هذا الرزق من مظانِّه، فيأخذ عن العلماء، ويستفيد من المتقنين، ويجمع بين العلوم، ويكمِّل بعضُها بعضًا، دون تعصُّبٍ ولا جفاء، ولا غلوٍّ ولا تقصير. فكما أن الأرزاق في الدنيا لا تُطلب من موضعٍ واحد، فكذلك أرزاق القلوب من العلم والهداية، لا تُنال إلا بالسعي، والارتحال، وبذل السبب المشروع.

ومن حبس نفسه على شيخٍ واحد، أو ظنَّ أن الحق محصورٌ في شخصٍ بعينه، فقد ضيَّق ما وسَّعه الله، وحرم نفسه خيرًا كثيرًا، وربما وقع –من حيث لا يشعر– في تعظيم الأشخاص على حساب تعظيم الحق، وذلك على خلاف منهج السلف، الذين كانوا يقولون: الحكمة ضالَّة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ بها.
وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] فلم يخصَّ سبحانه أهل الذكر بعالمٍ واحد، ولا بمكانٍ واحد، بل أطلق، ليبقى باب السؤال والتعلُّم مفتوحًا، واسعًا، لا تحكمه العصبيات ولا القيود.
وفي السنة قال النبي ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية» فجعل العلم رسالةً مُشاعة، لا حكرًا على أحد، ولا وقفًا على اسمٍ أو جماعة.
ولهذا كان السلف –رحمهم الله– يرحلون من بلدٍ إلى بلد، ومن شيخٍ إلى شيخ، ولا يُفهَم ذلك عندهم طعنًا في السابق، ولا انتقاصًا من قدره، بل كمالَ طلبٍ، وصدقَ رغبةٍ في الوصول إلى الحق.

ومن هنا يتبيَّن أن إنكار الإمام ربيع –رحمه الله– لاحتكار المشيخة، هو إنكارٌ قائمٌ على أصول الشرع، وسيرة السلف، ومقاصد العلم، وأن من أبى الرجوع عن هذا المسلك، فقد خالف روح المنهج السلفي، وإن انتسب إليه اسمًا وشعارًا.
ثالثًا: الاحتجاج بالمنهج السلفي العملي:
استدل الإمام –رحمه الله– بسيرة أئمة الحديث، فقال: «كان للرجل الواحد من أئمة الحديث ألف شيخ أو ألفان»، وهذا استدلالٌ بمنهج السلف عملًا لا قولًا، وهو أقوى الحجج؛ لأن السلف:
• لم يروا في تعدد الشيوخ نقصًا.
• ولم يعدُّوه تشكيكًا.
• بل جعلوه علامة تجرد وصدق طلب وعلو همة واجتهاد.
وذِكْرُهُ لابن حبان –رحمه الله– مثالٌ واضح على سعة الرحلة، وكثرة الشيوخ، حيث قال ابن حبان نفسه في مقدمة كتابه (التقاسيم والأنواع) والمعروف (بصحيح ابن حبان) [1/109]: (ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ‌ألفي ‌شيخ من إسبيجاب إلى الإسكندرية) اهـ. وقال الإمام الذهبي - معلقاً - بعد نقله كلام ابن حبان كما في (سير أعلام النبلاء) [16/94]: (كذا فلتكن الهمم، هذا مع ما كان عليه من الفقه، والعربية، والفضائل الباهرة، وكثرة التصانيف) اهـ.
وكذلك عبدالله بن المبارك قال: حمَلْتُ العلم عن أربعة آلاف شيخٍ، فرويتُ عن ألفِ شيخٍ؛ كما في (سير أعلام النبلاء) للذهبي [8/ 397].
وكذلك أبو الفداء ‌إسماعيل ‌بن ‌إبراهيم ‌بن ‌سالم بن رِكاب الأنصاريُّ، يعرف بابن الخبَّاز؛ الشَّيْخ الصَّالح الْمُحدث نجم الدِّين، من ذُرِّيَّة عبَادَة بن الصَّامِت الأنصاري؛ خرَّج لنَفسِهِ مشيخة في مائَة جُزْء عَن أَكثر من ألفى شيخ، وَبَالغ حَتَّى كتب عَمَّن هُوَ دونه أَكثر من سِتّمائَة جُزْء، وَحدث بهَا أَيَّام الجُمَعِ على كرسيِّه بالجامع، وَكَانَ متودداً حسن الْأَخْلَاق متواضعاً) اهـ. كما في (المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد) [1/255]، وغيرهم الكثير والكثير...
رابعًا: بيان أن التكثُّر من الشيوخ قاعدةٌ منهجية عظيمة:
قولُه –رحمه الله–: «فالتكثُّر من الشيوخ علامة على التجرُّد لله وطلب الحق» ليس توصيفًا تربويًّا فحسب، بل هو قاعدةٌ منهجيةٌ محكمة، تُوزَن بها الدعاوى، وتُكشف عندها النيات، وتنكشف بها حقيقةُ الانتساب إلى المنهج السلفي. فهي قاعدةٌ تهدم من أصلها كلَّ محاولةٍ لاحتكار السلفية، أو تضييق دائرتها، أو حصرها في أسماءٍ أو بلدانٍ أو مشايخ بعينهم.

فبهذه القاعدة تُقطع الطريق على:
• دعاوى الحزبية المقنَّعة التي تتزيَّا بلباس السُّنَّة، وهي في حقيقتها لا ترضى إلا بالانتماء الضيِّق، والاصطفاف المحدود.
• محاولات حصر السلفية في أشخاص، حتى يُجعل القرب منهم دينًا، والبعد عنهم ريبةً، ويُقدَّم الاسم على الدليل، والانتساب على الاتباع.
• الزعم بأن ترك الشيخ والذهاب إلى غيره تخوين وتشكيك في النيَّات، وهو زعمٌ باطلٌ شرعًا ومنهجًا، إذ لم يجعل أحدٌ من الثقات تعدُّد الشيوخ علامةَ انحراف، بل جعله السلف من دلائل الصدق في الطلب.
إن الشيخ الحقَّ –كما قرَّره الإمام ربيع –رحمه الله– لا تضيق نفسه باتساع طلبة علمه، ولا يضطرب قلبه إذا ارتحلوا إلى غيره، بل يفرح بذلك، ويرى فيه تمام النعمة، وكمال الفائدة؛ لأنه يعلم أن المقصود هو الحق، لا الذات، والمنهج، لا الاسم. ولهذا قال: «شيوخه ما أحد يزعل من الآخر، بل يزوِّده ليصل إلى محل أخيه الثاني» وهذا الوصف يرسم صورةً نقيّةً للأخوَّة العلمية؛ قلوبٌ متآلفة، وصدورٌ سليمة، وتعاونٌ على البر والتقوى، لا تنافسَ فيه على الأتباع، ولا صراعَ على المكانة.
ولهذا كان السلف –رحمهم الله– يرحلون، ويتواصون، ويُثنون بعضهم على بعض، ويُحيلون طلابهم على أقرانهم ومن هو أعلم منهم، ولم يُعرَف عنهم تضييقٌ ولا تحجير، بل كان شعارهم: الحق أوسع من أن يُحبس، والعلم أكرم من أن يُحتكر.

ومن هنا يتبيَّن أن التكثُّر من الشيوخ ليس خروجًا عن المنهج، بل هو روح المنهج السلفي، وأن من حارب هذا الأصل، أو شكَّك فيه، فقد فتح باب التحزُّب من حيث يدَّعي السلفية، وخالف طريق السلف وإن انتسب إليهم.
خامسًا: حكمه الصريح على هذه العصبية:
حين وصف إمامُنا –رحمه الله– هذا المسلك بقوله: «عصبيةٌ رعناء، وجاهليةٌ هوجاء»، فإنه لم يُطلق حكمًا إنشائيًّا، ولا عبارةً زجرية فحسب، بل قرَّر توصيفًا شرعيًّا منهجيًّا خطيرًا، يضع هذا السلوك في موضعه الحقيقي من ميزان السنة والسلفية. فهو توصيفٌ يدل دلالةً بيِّنة على أن هذا المسلك ليس من السنة في شيء، ولا يمتُّ إلى السلفية بصلة، وإنما هو بقايا جاهليةٍ عفِنةٍ جاء الإسلام لاجتثاثها من جذورها، وإقامة الناس على رابطة الإيمان بدل روابط الهوى والعصبية.

ولما لاحت بوادرُ العصبية في الجيل الأول، لم يُهادنها النبيُّ ﷺ، ولم يُسوِّغها بحسن القصد، بل قطعها من أصلها بكلمته الخالدة التي لا تزال تُدوِّي في أسماع الزمان: «دعوها فإنها منتنة»؛ فكانت هذه الكلمة إعلانَ وفاةٍ لنعرة الجاهلية، وحكمَ إعدامٍ على كل تعصُّبٍ أعمى، لا يُقيم وزنًا لدليل، ولا ينقاد لميزان الشرع. فانتهى عهدُ النَّتن، وماتت لوثةُ الجنس، وذابت حُمَّى القوميات، وسقط توطينُ الدعوة على الأسماء والأمكنة، ليحلَّ محلَّه نورُ الإيمان، وسعةُ المنهج، ووحدةُ الصف على الحق.
ومن هذا الفهم المنهجي الصافي ختم إمامُنا ربيع –رحمه الله– كلامه بقوله الحازم: «يجب أن تُحارَب، ويجب أن يسقط أهلها إذا أبوا أن يعودوا إلى الطريق الواضح».
وهذا القول ليس دعوةً إلى الهوى، ولا فتحًا لباب الفوضى، ولا تسويغًا لإسقاط الناس بالأهواء، وإنما هو إجراءٌ شرعيٌّ وقائيٌّ لحماية المنهج السلفي من أن يُختطف، أو يُفرَّغ من مضمونه، أو يتحوَّل –والعياذ بالله– إلى طائفةٍ متعصبة، أو دعوةِ أشخاصٍ تُدار حول الأسماء، لا دعوةِ حقٍّ تُقام على الدليل والاتباع.

فالطريق الواضح الذي دعا إليه الإمام –رحمه الله– هو طريق السلف: تجريدٌ للحق، وعدلٌ مع الخلق، واتساعٌ في الصدر، وبراءةٌ من العصبيات. فمن عاد إليه قُبِل، ومن أبى إلا الإصرار على الجاهلية المحدثة، سقط اعتباره منهجيًّا، حفظًا للدين، وصيانةً للدعوة، ورحمةً بالناس أن يُفتنوا بعصبيةٍ تُلبس لباس السنة وهي أبعد ما تكون عنها.
نسأل الله أن يرحم شيخنا الإمام ربيعاً، وأن يجزيه عن السنة وأهلها خير الجزاء، وأن يرزقنا وإخواننا الفقه في الدين، والصدق في الطلب، والسلامة من الأهواء. والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري – حرسه الله- وسائر بلاد المسلمين.
الأربعاء: 4 / رجب الفرد / 1447 هـ.

مواد ذات صلة