الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الردود

شكيب العدني… البرذون الجامح فمن يقرأ ردود شكيب العدني لا يخطئه أمران

٢٤ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ١٥ ديسمبر ٢٠٢٥
الردودالمقالاتالمنهج والدعوة السلفية
(شكيب العدني… البرذون الجامح)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فمن يقرأ ردود شكيب العدني لا يخطئه أمران:
أولهما:
حدَّةٌ متكلَّفة، وصراخٌ مصطنع، لا يصدر عن باحثٍ متحرٍّ للحق، ولا عن ناقدٍ منصف، وإنما عن صاحب هوىً متقلِّب، وغرضٍ مكشوف، بل غرضٍ ضعيفٍ في نفسه، واهٍ في حجته، ساقطٍ في عرضه، لا يملك إلا رفع الصوت حيث عجز عن إقامة البرهان.

وثانيهما:
حشدُ نصوصٍ بلا فقه تنزيل، واستدعاءُ أقوالٍ مبتورة من كلام السلف، يُسلَّطها على شخصٍ بعينه تسليطَ الخصوم لا تنزيلَ العلماء، مع إعراضٍ متعمَّد عن سائر الأصول والقواعد التي تهدم بنيانه من أساسه، وتكشف تهافت دعواه لو أُعملت بعدلٍ وإنصاف.

وهذا – بعينه – هو دأب النائحة المستأجرة والمستملي للمختبئين:
فالنائحة المستأجرة ترفع صوتها في الموضع الذي أُمِرت فيه بالرفع، وتخفضه حيث طُلِب منها السكوت، وتنوح لا لأن المصاب مصابها، بل لأن الأجر قد دُفع سلفًا.
وأما كونه مستمليًا للمختبئين، فذلك أوضح من أن يُبرهَن عليه؛ فالأسلوب معروف، والعبارات محفوظة، والخصومات متكررة، والاصطفافات مفضوحة،
حتى ليكاد القارئ يرى الأقلام التي تُملِي قبل أن يرى اسمه في التوقيع.

لذا... لا عجب أن تأتي ردوده أضخم من قدره العلمي، وأثقل من زاده المعرفي؛ فهو يتكلَّم بلسانٍ أطول من علمه، ويتصدَّر بمساحةٍ أوسع من فهمه، ويقتحم ميادين ليست من ساحته، ولا يعرف لها أصولًا ولا ضوابط.

إذ لو قيل: إنه من الضعفاء في العلم لكان في ذلك تساهلٌ ظاهر، بل هو – في التحقيق – صاحب جهلٍ مركَّب؛ جمع بين قلَّة البضاعة، وسوء الفهم، وجرأةٍ منفلتة على مقاماتٍ لا يدرك أقدارها، ولا يعرف لها وزنًا ولا حرمة، فاختلط عليه النقد بالتهجُّم، والمنهج بالخصومة، والنصيحة بالتشفي.

وهذا الصنف لا يضرُّ خصومه بقدر ما يفضح نفسه ومن خلفه؛ إذ يكشف – من حيث لا يشعر – خواءَ الخطاب، وضيق الأفق، وعجزًا عن إدراك الفوارق بين مقام البحث، ومقام الرد، ومقام العلم، ومقام الضجيج.
وهل بهذه (الشخبطة) و (الخربشة) تُنصر الدعوة؟ وهل بالصراخ وخلط الأوراق، وبتر النصوص، وتعليق التهم في الهواء، يُخدم المنهج أو يُصان الحق؟

إن الدعوة لم تُقم يومًا على الفوضى، ولا نُصرت بالتهويش، ولا حُفظت بالانفعال الأرعن، وإنما قامت على العلم قبل القول والعمل، وعلى العدل قبل الخصومة، وعلى الإنصاف قبل الاصطفاف.
فأقلام الشخبطة لا تُقيم حجة، وخربشات الهوى لا تُثبت منهجًا، بل لا تزيد المشهد إلا اضطرابًا، ولا تورث إلا بلبلةً في الصف، وتشويشًا على العامة، وفرحًا للمتربصين.

إنما تُنصر الدعوة ببيانٍ رصين، وحجةٍ واضحة، ولسانٍ موزون، يعرف متى يتكلم ومتى يسكت، ومتى يشتدُّ ومتى يرفق، يزن الرجال بالحق لا الحق بالرجال، ويُنزل النصوص منازلها، لا يجعلها مطيَّة للخصومات ولا عصًا لتصفية الحسابات.

ما تحويلُ الدعوة إلى ميدانٍ لمعركة تصفية الحسابات، يتقدَّم فيه الجاهل بجرأة لا مثيل لها، ويُدفع إلى الواجهة صياحُ الفارغين (بحق)، بينما يتوارى في الظلال موقِظو الفتن ومسعِّرو نيرانها، فذلك – والله – من أعظم أسباب إضعاف الدعوة، ومن أوسع أبواب الصدِّ عنها، وأخطر المسالك التي يُطعن بها المنهج من داخله باسم نصرته.

إنها دعوةٌ تُستنزف حين تُختزل في خصومات، وتُشوَّه حين تُدار بعصبية، وتُخذل حين يُسلَّط عليها الجهَّال، فيتكلمون حيث يجب السكوت، ويشتدُّون حيث يجب البيان، ويُشعلون نارًا يعجزون عن إطفائها، ثم يُسمُّون ذلك غيرةً ومنهجًا.

ألا فليتقِ اللهَ من يُحرِّك هذه الأقلام من وراء الستار، وليَخشَ اللهَ من يُوجِّهه لإفساد ذات البين، وليَحذر من يرى نار الفتنة تُشعَل على يد هذا الأحمق وأمثاله، ثم يقف متفرِّجًا، أو – وهو الأدهى – مُغذِّيًا، صامتًا حين يجب الإنكار، متواطئًا حين يجب الإخماد.

فإن الفتن إذا أُضرمت لا تميِّز بين من أشعلها ومن صفَّق لها، ومن رضي بالشرِّ أو دلَّ عليه أو سكت عنه وهو قادر، فقد كان شريكًا فيه وإن تبرَّأ بلسانه.
أليس فيكم رجلٌ رشيد!!، عاقلٌ حصيف، يلجم هذا البرذون الجامح الذي يرفس في كل ميدان، ويضرب في كل جهة بجهل فادح بلا هدى ولا روية؟
أليس فيكم من يضع حدًّا لهذا الاندفاع الأرعن، ويكفَّ هذا الصخب الذي لا يزيد الخلاف إلا اتساعًا، ولا يورث إلا تشويهًا للمنهج وإيغارًا للصدور؟
أما آن الأوان أن يكون صوتُ العلم هو الفاصل، لا صراخ الجهالة؟ وأن يكون ميزانُ الخُلُق هو الحاكم، لا غوغائية الانتصار للنفس؟ وأن يُقدَّم التحقيق على التهييج، والعدل على الخصومة، والحكمة على التسرُّع؟

إن المُخْتَلِفَيْنِ – مهما اشتد النزاع – على منهجٍ واحد، تجمعهم أصولٌ كبرى، وتشدُّهم رابطة السُّنَّة، فلا يليق أن تُدار خلافاتهم بعقلية (أرعن) و (برذون)، ولا أن يُترك زمام الكلام لمن لا يُحسن تقدير العواقب، ولا وزن الأمور.

إن تركَ البرذون يرفس حيث شاء لا يدلُّ على قوَّةٍ ولا حزم، ولا يُعبِّر عن غيرةٍ صادقة، بل هو شاهدُ عجزٍ عن الضبط، وإفلاسٌ في حسن التدبير، أو تغييبٌ متعمَّد لصوت الحكمة، وإقصاءٌ مقصودٌ – بالتعمية أو التواطؤ – للقيادة العلمية الرشيدة!!.

وحين يُتَّخذ هذا البرذون ذريعةً لإسكات العقلاء، وتمكين الجهَّال، وإقصاء أهل العلم والحلم، فإنه لا يكون أداة نصرة، بل معول هدم يعود شرره على الجميع، ويُفسد أكثر مما يزعم إصلاحه.

فليتقدَّم العلم إلى مواضعه، وليُسمَع صوت الحِلم فوق صخب الفوضى لا سيما في وقت الخلاف المستساغ الذي نعيشه، ويأبى هذا البرذون إلا أن يكون خلاف تضادٍّ، يزرع الفتن ويشتت الصفوف، وليُكبح هذا العبث قبل أن يتحوَّل شرخًا عميقًا لا يُرتق، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾. وهو بكل جميل كفيل وهو حسبي ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي الأثري عفا الله عنه
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين.
ليلة الثلاثاء: 25 / جمادى الآخر / 1447 هـ.

مواد ذات صلة