مقال الأسبوع بعنوان تتبّع العثرات... منهج العاجز أمام الألباني
مقال الأسبوع بعنوان:
تتبّع العثرات... منهج العاجز أمام الألباني
(العدوي أنموذج الأمس، وأذناب الحاضر شرٌّ لا بد من قطعه)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
لقد ابتليت الأمة في كل عصر بطائفة من الناس لم يعرفوا للعلماء قدرهم، ولم يدركوا لهم منزلتهم، فراحوا يتصيّدون الهفوات، ويتتبعون الزلات، ويجعلونها ديدنهم في النيل من الكبار.
وممن نال نصيبًا وافرًا من ذلك الإمام المحدث المجدد محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى، الذي رفع الله ذكره في حياته وبعد وفاته، حتى صار علمه في الآفاق، وانتفع به الموافق والمخالف.
إن الألباني – وهو بشر غير معصوم – لم يَدَّعِ لنفسه الكمال، ولا سلِم اجتهاده من الخطأ؛ لكن الفرق بين العالم والجاهل أن خطأ العالم مغفور في بحر صوابه، وزلة المجتهد منغمرة في سيل عطائه.
فمن ذا الذي يزن جبال حسناته بذرّات من هفواته؟ وأيُّ إنصافٍ مفقودٍ ذاك الذي يُغَضّ الطرف عن بحار عطائه الدفَّاقات، ليُشهر السهام في قطرة عابرة أو زلَّة نادرة؟! وهل يُعكِّر صَفوَ البحر موجةٌ طارئة، أم يُطفئ ضياءَ الشمس سحابةٌ مارقة؟! ومن ذا الذي يُنكِر أنّ الأمة قد ارتوت من فيض عطائه، وانتفعت بتنقيحه للسنة وتصحيحه لها، نفعًا عمّ الأقطار، وشهد به الموافق والمخالف، حتى غدا علمُه عَلَمًا في هذا العصر، لا تكاد تجد له نظيرًا في خدمة الحديث وتنقيح الرواية وتمييز صحيحها من سقيمها، ورحم الله شيخنا الإمام ربيعاً رحمة واسعةً حيث قال واصفاً الإمام المجدد الألباني رحمه الله: (في الحديث لا يُلحق، لا يلحق أبداً، بل من قرون ما أحد وصل إلى ما وصل إليه الشيخ الألباني بل أنا أرى في الاطِّلاع أنه ما لحقه لا ابن تيمية ولا ابن حجر في الاطلاع على الكتب، الحفظ يحفظون أكثر منه، لكن الاطلاع والبحث
والتشمير عن ساعد الجد في البحث لا نظير له هذا الرجل؛ وقدَّم مكتبة للإسلام تعجز الدول ومؤسساتها عن تقديم هذا القدر وكل من يكتب في الحديث الآن عالة على هذا الرجل) اهـ.
ومن المؤسف أن ترى أقوامًا قد ضاقت صدورهم بانتشار علمه، فلم يجدوا إلا أسلوب اللمز والغمز، فإذا هم يلوكون زلة هنا، أو يتشبثون بخطأ هناك، يضخمونه أضعافًا مضاعفة، كأنهم ما عرفوا للألباني قدمًا في خدمة السنة، ولا درايةً بعلل الحديث، ولا تمييزًا بين صحيحها وسقيمها.
أيها المتصيّدون للزلاّت: أما آن لكم أن تعلموا أن تجريح الكبار لا يَرفَع الصغار؟! وأن من جعل رأس ماله تتبّع عثرات الألباني ما حصد إلا خيبةً وعارًا؟! إنّما طعنتم في أنفسكم قبل أن تطعنوا في الإمام، وفضحتم جهلَكم قبل أن تجرّحوا علمه؛ فالعظمةُ لا تنقضها زلّة، والمكانةُ لا تهدمها هفوة، والبحر لا تكدّره نطفة، والشمس لا يحجبها دخان. لقد خلّد الألباني آثارًا باقية، وترك للأمة ميراثًا من نور، فبقي ذكره حيًّا يجري على الألسنة، وأما أنتم فلن يذكر الناس منكم إلا صَخَبًا وضجيجًا، سرعان ما يطويه النسيان.
فليت شعري، لو جُمِع علمُ هؤلاء المتربّصين ثم وُضع في كفّة، وجُعلت في الأخرى زلّةٌ واحدة من زلات الإمام، لرجحت زلّتُه على مجموعهم، فكيف إذا وُضع صوابه وعطاؤه؟
فهل أبقَوا لأنفسهم من المروءة خيطًا، وقد جعلوا أعمارهم رأسَ مالٍ في التشهير والتشغيب على رجلٍ قد نفع الله بعلمه الملايين، ورفع ذكره في العالمين؟! أفيقوا؛ فوالله ما تُطفَأ شمسٌ بزفرة حاسد، ولا تُسقَط قمةٌ بحصاة ناقد.
إنها في حقيقتها غيرةٌ سقيمة، وحسدٌ دفين، تقنَّع بستر الغيرة على الدين، وما هو إلا حقدٌ على من شرَّفه الله بالعلم، وخلَّد ذكره بين العالمين، فسعوا لخفضه، وهيهات هيهات! فقد رحل الألباني إلى ربّه، وخلف علمًا غزيرًا، ومنهجًا منيرًا، انتفع به القاصي والداني، وبقي ذكره في عليّين، وأما المتربّصون فما تركوا وراءهم إلا صدى باهتًا يتلاشى في زوايا النسيان.
فرحم الله الإمام المجدد الألباني رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وقطع دابر من أراد بالعلماء وأعراضهم سوءًا؛ اللهم آمين.
وكتب حامداً مصلياً:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه.
الثغر السكندري (عروس البحر المتوسط)
18 / ربيع أول / 1447هـ.
تتبّع العثرات... منهج العاجز أمام الألباني
(العدوي أنموذج الأمس، وأذناب الحاضر شرٌّ لا بد من قطعه)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
لقد ابتليت الأمة في كل عصر بطائفة من الناس لم يعرفوا للعلماء قدرهم، ولم يدركوا لهم منزلتهم، فراحوا يتصيّدون الهفوات، ويتتبعون الزلات، ويجعلونها ديدنهم في النيل من الكبار.
وممن نال نصيبًا وافرًا من ذلك الإمام المحدث المجدد محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى، الذي رفع الله ذكره في حياته وبعد وفاته، حتى صار علمه في الآفاق، وانتفع به الموافق والمخالف.
إن الألباني – وهو بشر غير معصوم – لم يَدَّعِ لنفسه الكمال، ولا سلِم اجتهاده من الخطأ؛ لكن الفرق بين العالم والجاهل أن خطأ العالم مغفور في بحر صوابه، وزلة المجتهد منغمرة في سيل عطائه.
فمن ذا الذي يزن جبال حسناته بذرّات من هفواته؟ وأيُّ إنصافٍ مفقودٍ ذاك الذي يُغَضّ الطرف عن بحار عطائه الدفَّاقات، ليُشهر السهام في قطرة عابرة أو زلَّة نادرة؟! وهل يُعكِّر صَفوَ البحر موجةٌ طارئة، أم يُطفئ ضياءَ الشمس سحابةٌ مارقة؟! ومن ذا الذي يُنكِر أنّ الأمة قد ارتوت من فيض عطائه، وانتفعت بتنقيحه للسنة وتصحيحه لها، نفعًا عمّ الأقطار، وشهد به الموافق والمخالف، حتى غدا علمُه عَلَمًا في هذا العصر، لا تكاد تجد له نظيرًا في خدمة الحديث وتنقيح الرواية وتمييز صحيحها من سقيمها، ورحم الله شيخنا الإمام ربيعاً رحمة واسعةً حيث قال واصفاً الإمام المجدد الألباني رحمه الله: (في الحديث لا يُلحق، لا يلحق أبداً، بل من قرون ما أحد وصل إلى ما وصل إليه الشيخ الألباني بل أنا أرى في الاطِّلاع أنه ما لحقه لا ابن تيمية ولا ابن حجر في الاطلاع على الكتب، الحفظ يحفظون أكثر منه، لكن الاطلاع والبحث
والتشمير عن ساعد الجد في البحث لا نظير له هذا الرجل؛ وقدَّم مكتبة للإسلام تعجز الدول ومؤسساتها عن تقديم هذا القدر وكل من يكتب في الحديث الآن عالة على هذا الرجل) اهـ.
ومن المؤسف أن ترى أقوامًا قد ضاقت صدورهم بانتشار علمه، فلم يجدوا إلا أسلوب اللمز والغمز، فإذا هم يلوكون زلة هنا، أو يتشبثون بخطأ هناك، يضخمونه أضعافًا مضاعفة، كأنهم ما عرفوا للألباني قدمًا في خدمة السنة، ولا درايةً بعلل الحديث، ولا تمييزًا بين صحيحها وسقيمها.
أيها المتصيّدون للزلاّت: أما آن لكم أن تعلموا أن تجريح الكبار لا يَرفَع الصغار؟! وأن من جعل رأس ماله تتبّع عثرات الألباني ما حصد إلا خيبةً وعارًا؟! إنّما طعنتم في أنفسكم قبل أن تطعنوا في الإمام، وفضحتم جهلَكم قبل أن تجرّحوا علمه؛ فالعظمةُ لا تنقضها زلّة، والمكانةُ لا تهدمها هفوة، والبحر لا تكدّره نطفة، والشمس لا يحجبها دخان. لقد خلّد الألباني آثارًا باقية، وترك للأمة ميراثًا من نور، فبقي ذكره حيًّا يجري على الألسنة، وأما أنتم فلن يذكر الناس منكم إلا صَخَبًا وضجيجًا، سرعان ما يطويه النسيان.
فليت شعري، لو جُمِع علمُ هؤلاء المتربّصين ثم وُضع في كفّة، وجُعلت في الأخرى زلّةٌ واحدة من زلات الإمام، لرجحت زلّتُه على مجموعهم، فكيف إذا وُضع صوابه وعطاؤه؟
فهل أبقَوا لأنفسهم من المروءة خيطًا، وقد جعلوا أعمارهم رأسَ مالٍ في التشهير والتشغيب على رجلٍ قد نفع الله بعلمه الملايين، ورفع ذكره في العالمين؟! أفيقوا؛ فوالله ما تُطفَأ شمسٌ بزفرة حاسد، ولا تُسقَط قمةٌ بحصاة ناقد.
إنها في حقيقتها غيرةٌ سقيمة، وحسدٌ دفين، تقنَّع بستر الغيرة على الدين، وما هو إلا حقدٌ على من شرَّفه الله بالعلم، وخلَّد ذكره بين العالمين، فسعوا لخفضه، وهيهات هيهات! فقد رحل الألباني إلى ربّه، وخلف علمًا غزيرًا، ومنهجًا منيرًا، انتفع به القاصي والداني، وبقي ذكره في عليّين، وأما المتربّصون فما تركوا وراءهم إلا صدى باهتًا يتلاشى في زوايا النسيان.
فرحم الله الإمام المجدد الألباني رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وقطع دابر من أراد بالعلماء وأعراضهم سوءًا؛ اللهم آمين.
وكتب حامداً مصلياً:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه.
الثغر السكندري (عروس البحر المتوسط)
18 / ربيع أول / 1447هـ.