الجمعة ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦
تيليجرام فيسبوك
  1. الرئيسية
  2. الفتاوى

فالمعذرة يا شيخنا؛ فوالله إني لأستفيد من إجابتكم جداً، ولكنني أحببت أن أخبركم - بارك الله فيكم - لكي تراعي ذلك في إجابتكم، وكذلك أريد…

١٨ صفر ١٤٤٧ هـ١٢ أغسطس ٢٠٢٥
الفتاوى
السؤال الثامن والسبعون:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الحبيب، والله إني لأحبك في الله.
شيخنا - بارك الله فيكم- كنت أنصح بعض الإخوة بمتابعة صفحتكم على الفيس بوك للاستفادة، فقال لي: إنه كان يتابعكم ولكنه ترك المتابعة بسبب التطويل في الإجابة عن الفتاوى ويقول: هذا ليس من عادة العلماء، وكأنه ينكر تصديكم للفتوى.
فالمعذرة يا شيخنا؛ فوالله إني لأستفيد من إجابتكم جداً، ولكنني أحببت أن أخبركم - بارك الله فيكم - لكي تراعي ذلك في إجابتكم، وكذلك أريد جواباً: هل لا يجوز لطالب العلم أن يفتي؟، وجزاكم الله خيراً عن الإسلام والمسلمين.

الحمد لله:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أحبك الله الذي أحببتني فيه:
الحمد لله:
أحبك الله الذي أحببتني فيه.
الجواب هنا مجمل ومفصل، وأرجو أن يتحملني السائل وقرائي الأعزاء
فالمجمل: أنني لست عالماً ولا مفتياً إنما طويلب علم - علم الله – وأعوذ بالله من خشوع النفاق، ولكن لما كانت هذه التقنية سبباً في انتشار وذيوع العلم بين الناس فيطَّلع عليها العامي وطلاب العلم والعلماء، فلا أعدم من فوائد كتعليم الناس ودلالتهم على الخير، ووجدت ما يصلني من أسئلة والجواب عليها فرصة أهتبلها في ذلك، ونصيحة طلاب العلم والعلماء بإثراء المسائل التي أتعرض لها فيعم النفع، وغير ذلك.
أما عن التطويل في الإجابة عن الأسئلة فللعلة المذكورة آنفاً، وأخرى - وهي من الأهمية بمكان - أن المسألة التي أطيل النفس فيها محل خلاف بين أهل العلم، وتحتاج إلى تطويل بذكر موطن الخلاف، والدلالة على أقوال الفرقاء وأدلتهم وتحريرها وإثبات الراجح وتفنيد الضعيف وغير ذلك، ومع ذلك فإني أجيب باختصار على أسئلة كثيرة جداً ولكني أرسلها إلى صاحبها على الخاص، لأمرين:
الأول: قد تكون خاصة.
الثانية: أن جل المضافين إلى صفحتي (الأصدقاء) طلاب علم، أحترم عقلهم، واستفزُّ همتهم بالتعليق تارة والنقد تارة أخرى إفادة لي وللقرَّاء الكرام، فأبرز الأسئلة المهمة وأرسل الأخرى إلى صاحبها بعد أن أدعها في مصنف، لعلي أحتاج إليها يوماً من الدهر.
أما الجواب المفصل:
اعلم علمني الله وإياك أن طلاب العلم هم رسل العلماء إلى الناس، فلا يستطيع العلماء الوصول إلى الناس جميعاً، ولا الناس كذلك، فمن أجل ذلك كل طلاب العلم يتعرضون للفتوى شاؤوا أم أبوا، وذلك لعدة أمور منها:
1- تحليهم بالهدي النبوي في ظاهرهم فهم عند العامة من الناس علماء يحسنون بهم الظن، فيسألونهم.
2- ولعلم الناس عنهم بملازمة العلماء وتفرغهم للعلم؛ يسألونهم.
3- ولندرة العلماء الربانيين في البلدان والأصقاع.
4- ولقصر همة السائل.
5- كل هذه الأمور وغيرها جعلت الناس تسأل طلاب العلم.
وهل لطلاب العلم إجابتهم؟
الجواب على جهتين:
الجهة الأولى: من حيث الفتوى.
والجهة الثانية: من حيث طالب العلم.
فمن حيث الجهة الأولى وهي: الفتوى، فلو كانت الأسئلة واضحة وإجابتها سهلة، بحيث قد سمعها طالب العلم مراراً وتكراراً من شيخه، كالسؤال عن بعض أحكام الطهارة وبعض أحكام الصلاة المشهورة وغير ذلك، فله أن يجيب عن هذه الأسئلة لا سيما وحاجة الناس إليها ماسة وملحة، وأما إن كانت الأسئلة صعبة وتحتاج إلى نظر واستدلال وإعمال قواعد أهل لاختصاص شريطة أن لا تصل إلى النوازل فحينئذٍ نذهب إلى التفصيل كما هو في:
الجهة الثانية: من حيث طالب العلم:
فطلاب العلم –في هذا الباب- على ضريبين:
الضرب الأول: متمكن من أصول العلوم، كأصول اللغة، ودلالات ألفاظها، وأصول الفقه وقواعده، وأصول الحديث، وأصول التفسير، وهلم جر في بقية العلوم؛ وكذلك ملكة القدرة على الاستنباط، وقبل كل شيء أن يكون متبحراً ومتمكناً من عقيدة السلف الصالح عقيدة أهل السنة والجماعة.
الثاني: غير متمكن، فهو في بداية طلبه للعلم ومن أجل هديه الظاهر يسأله الناس، أو قطع شوطاً من عمره في الطلب على يد الأشياخ ولم يتمكن بعد.
فالضرب الأول: له أن يفتي، لما توفرت لديه الملكة من جمع أقوال أهل العلم في المسألة، وإعمال القواعد الأصولية فيها، بعد تحرير صحة الأدلة وصحة نسبة الأقوال إلى أصحابها، وترجيح ما رجحه الدليل، وتفنيد الأقوال الأخرى، وبالرُّغم من ذلك، فهذا القسم لا يفتي في النوازل لأنه - وما عنده - يفتقر إلى الخبرة والحنكة والصبر والتؤدة المتوفرة لدى العلماء الأكابر.
أما الضرب الثاني: الأصل فيه السكوت، وله أن ينقل بحذر عن العلماء شريطة أن يعزو كلام أهل العلم إلى كتبهم وأشرطتهم.
وهل الضرب الأول يتجزأ، بمعنى أن يكون متمكناً في بعض الفنون عن غيرها فيفتي فيما هو متمكن فيه؟
نعم، يتجزأ، فكما أن الاجتهاد يتجزأ – وعليه الجمهور- فكذلك؛ لأن الباب واحد، قال ابن القيم رحمه الله في (إعلام الموقعين عن رب العالمين) [4/236]: (الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام فيكون الرجل مجتهداً في نوعٍ من العلم ومقلداً في غيره أو في باب من أبوابه كمن استفرغ وسعه في نوع العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم أو في باب الجهاد أو الحج أو غير ذلك فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم غيره وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه, أصحها الجواز, بل هو الصواب المقطوع به ) اهـ.
قلت: ولكن يتنبَّه إلى أن المراد بتجزئة الاجتهاد هو: في فن من الفنون دون غيره أو باب من الأبواب في الفن الواحد دون غيره، مع وجوب توفر شروط الاجتهاد العامة، وفي ذلك يقول أبو المعالي ابنُ الزملْكانيّ : « فما كان من الشروط كلّياً، كقوّةِ الاستنباط، ومعرفةِ مجاري الكلام، وما يُقبَلُ من الأدلّة، وما يُردُّ، ونحوِه، فلا بدَّ من استجماعه بالنسبة إلى كلّ دليلٍ ومدلولٍ، فلا تتجزّأ تلك الأهليّةُ، وما كان خاصا بمسألة أو مسائل أو باب فإذا استجمعه الإنسان بالنسبة إلى ذلك الباب أو تلك المسألة أو المسائل مع الأهلية كان فرضه في ذلك الجزء الاجتهاد دون التقليد» نقله عنه بدر الدين الزركشي في (البحر المحيط في أصول الفقه) [4/499].
أما عن مسألة التطويل في الإجابة عن بعض الأسئلة، فقد ذكرت قبلُ عدة أسباب، وأضيف هنا سبباً آخر أرجو أن يوفقني الله لأن أكون من أهله، وهو ما ذكره الإمام ابنُ القيم رحمه الله تعالى في (مدارج السالكين) [2/293] وهو يتكلم عن مراتب الجود: (الرابعة : الجود بالعلم وبذله، وهو من أعلى مراتب الجود، والجود به أفضل من الجود بالمال، لأن العلم أشرف من المال، والناس في الجود به على مراتب متفاوتة، وقد اقتضت حكمة الله وتقديره النافذ : أن لا ينفع به بخيلاً أبداً.
ومن الجود به : أن تبذله لمن يسألك عنه؛ بل تطرحه عليه طرحاً، ومن الجود بالعلم : أن السائل إذا سألك عن مسألة : استقصيت له جوابها جواباً شافياً لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا نعم أو لا مقتصراً عليها.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في ذلك أمراً عجيباً: كان إذا سئل عن مسألة حكمية ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر ومأخذ الخلاف وترجيح القول الراجح وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم: أعظم من فرحه بمسألته) اهـ.
فاللهم ارزقنا التوفيق والسداد والإخلاص في القول والعمل، والحمد لله رب العالمين؛ وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وآله وصحبه .

من ضمن (الأجوبة على الأسئلة الواردة على الخاص)