الرد على مقال (علامات المدخلي) لأبي الحارث التكليفي الموصلي
الرد على مقال (علامات المدخلي) لأبي الحارث التكليفي الموصلي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد اطلعت على المقالة الموسومة بـ "علامات المدخلي"، فإذا هي ليست دراسة علمية، ولا نقدًا منهجيًا مؤصلًا، وإنما هي صحيفة اتهام، جمعت بين التهويل، والتعميم، والدعاوى العريضة، ثم أُلصقت بجمهور كبير من أهل السنة، دون بينة ولا برهان.
وهذا المسلك لا يمت إلى منهج السلف بصلة؛ فإن السلف كانوا أعدل الناس مع الموافق والمخالف، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
وأول ما يلفت النظر في هذه المقالة أن صاحبها لم يعرف ابتداءً من هم "المداخلة"، ثم شرع بعد ذلك في إلصاق أحد عشر اتهامًا بطائفة لا وجود لها بهذا الوصف في الواقع، وإنما هو لقب حادث يتداوله الخصوم للتنفير، كما كان أهل البدع يلقبون أهل السنة بالحشوية والنابتة والمجسمة وغير ذلك.
فإن كان مراده أتباع شيخنا الإمام العلامة ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله، فهذا أبعد عن العدل؛ لأن شيخنا ربيعا رحمه الله ليس صاحب مذهب مستقل، ولا دعا إلى الانتساب إليه، وإنما دعا إلى الكتاب والسنة ومنهج السلف، وشهد له بالإمامة في السنة والدفاع عنها كبار علماء العصر، كالإمام ابن باز، والإمام الألباني، والإمام ابن عثيمين، والعلامة مقبل الوادعي، والعلامة النجمي والعلامة زيد والعلامة عبيد وغيرهم، ولم يُعرف عن أحد من هؤلاء أنه حذر منه أو رماه بالغلو كما يفعله المتأخرون.
ثم إن الكاتب بنى مقاله كله على مغالطة ظاهرة، وهي تعميم أخطاء الأفراد على المنهج كله.
فلو وُجد شخص انتسب إلى الشيخ ربيع فأخطأ في التبديع، أو اشتد في الخصومة، أو ظلم أحدًا، فهل يكون هذا حجة على جميع من ينتسب إليه بزعمه؟!
ولو سلكنا هذا المسلك لبطل علم العلماء كلهم؛ إذ ما من إمام إلا وله أتباع أخطؤوا وغلوا، ولم يقل أحد من أهل العلم إن أخطاء الأتباع تبطل أصول الإمام.
ثم إن المقالة لم تذكر دليلاً واحدًا من كلام الشيخ ربيع نفسه يثبت هذه التهم، وإنما اعتمدت على أوصاف إنشائية من قبيل: "هم يفعلون"، و"هم يعتقدون"، و"هم يرون"... فأين النقول؟ وأين التوثيق؟ وأين التحقيق العلمي؟
ومن أعجب ما فيها اتهامهم بأنهم يجعلون أقوال مشايخهم معصومة!
وهذا من أبطل الباطل؛ فالشيخ ربيع نفسه يكرر في كتبه ومحاضراته أن العصمة للرسول ﷺ، وأن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك.
وكذلك كبار تلامذته يقررون هذا الأصل صباح مساء.
فكيف يجوز نسبة خلاف ذلك إليهم بلا برهان؟
وأما زعمه أنهم يمنعون القراءة لابن حجر والنووي، فهو من الكذب الظاهر؛ فإن طلاب الشيخ ربيع في مشارق الأرض ومغاربها يدرسون "فتح الباري لابن حجر"، و"شرح مسلم للنووي"، وكتب ابن كثير، وابن عبد البر، وابن القيم، وغيرهم، مع التنبيه على ما فيها من أخطاء، وهو عين ما كان يفعله علماء السنة قديمًا وحديثًا.
وأما قوله إنهم يجعلون الولاء والبراء قائمًا على الأشخاص، فإن أول من خالف هذا الأصل هو الكاتب نفسه؛ إذ جعل مجرد الانتساب إلى الشيخ ربيع موجبًا للطعن والتشويه، وجعل الناس صنفًا واحدًا لا تفاوت بينهم، وهذه هي الحزبية التي يعيبها على غيره.
وأما قوله إنهم يوالون الحكام مطلقًا، فهذا تلبيس ظاهر؛ فإنهم يقررون ما قرره الإمام أحمد، والبخاري، والطحاوي، وابن تيمية، وابن باز، وابن عثيمين، من وجوب السمع والطاعة في المعروف، وتحريم الخروج، والنصيحة بالطرق الشرعية.
فهل صار مذهب الإمام أحمد اليوم "مدخلية"؟!
وهل كان ابن باز "مدخليًا" حين قرر هذه الأصول؟
إن من أكبر أسباب الفتن في هذا العصر تحويل أصول أهل السنة إلى ألقاب حزبية؛ فمن تكلم بالسمع والطاعة قيل: مدخلي، ومن حذر من الإخوان قيل: جامي، ومن رد على القطبيين قيل: رجل أمن، حتى صار الناس يفرون من تقرير عقائد السلف خوفًا من الألقاب.
وأما دعواه أنهم يهتمون بالردود ويتركون الإلحاد والبدع، فهي دعوى يكذبها الواقع؛ فإن علماء هذا الاتجاه - تنزلا - لهم مؤلفات ودروس في التوحيد، والعقيدة، والفقه، والحديث، والتفسير، والآداب، والرد على الرافضة، والخوارج، والصوفية، والإخوان، والحدادية، والقطبيين، وسائر أهل الأهواء.
لكن الخصوم لا يرون إلا ما يوافق أهواءهم.
والأعجب أن الكاتب ملأ مقالته بأوصاف مثل: "الوشاية"، و"التقارير الأمنية"، و"التوظيف السياسي"، و"العجب"، و"التعالي"، دون إقامة شاهد واحد، ولا نقل موثق، ولا واقعة ثابتة، وكأن مجرد الدعوى أصبحت دليلًا.
ولو كتب خصم له مقالة بعنوان: "علامات أبي الحارث التلكيفي"، ثم نسب إليه وإلى أتباعه أحد عشر عيبًا بلا بينة، لعد ذلك ظلمًا وافتراءً، فلماذا يرضى لنفسه ما لا يرضاه لغيره؟
إن الواجب على المسلمين أن يتقوا الله في أعراض العلماء وطلبة العلم، وأن يعلموا أن هذه الألقاب الحزبية لم تُورث الأمة إلا مزيدًا من الفرقة والعداوة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد اطلعت على المقالة الموسومة بـ "علامات المدخلي"، فإذا هي ليست دراسة علمية، ولا نقدًا منهجيًا مؤصلًا، وإنما هي صحيفة اتهام، جمعت بين التهويل، والتعميم، والدعاوى العريضة، ثم أُلصقت بجمهور كبير من أهل السنة، دون بينة ولا برهان.
وهذا المسلك لا يمت إلى منهج السلف بصلة؛ فإن السلف كانوا أعدل الناس مع الموافق والمخالف، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
وأول ما يلفت النظر في هذه المقالة أن صاحبها لم يعرف ابتداءً من هم "المداخلة"، ثم شرع بعد ذلك في إلصاق أحد عشر اتهامًا بطائفة لا وجود لها بهذا الوصف في الواقع، وإنما هو لقب حادث يتداوله الخصوم للتنفير، كما كان أهل البدع يلقبون أهل السنة بالحشوية والنابتة والمجسمة وغير ذلك.
فإن كان مراده أتباع شيخنا الإمام العلامة ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله، فهذا أبعد عن العدل؛ لأن شيخنا ربيعا رحمه الله ليس صاحب مذهب مستقل، ولا دعا إلى الانتساب إليه، وإنما دعا إلى الكتاب والسنة ومنهج السلف، وشهد له بالإمامة في السنة والدفاع عنها كبار علماء العصر، كالإمام ابن باز، والإمام الألباني، والإمام ابن عثيمين، والعلامة مقبل الوادعي، والعلامة النجمي والعلامة زيد والعلامة عبيد وغيرهم، ولم يُعرف عن أحد من هؤلاء أنه حذر منه أو رماه بالغلو كما يفعله المتأخرون.
ثم إن الكاتب بنى مقاله كله على مغالطة ظاهرة، وهي تعميم أخطاء الأفراد على المنهج كله.
فلو وُجد شخص انتسب إلى الشيخ ربيع فأخطأ في التبديع، أو اشتد في الخصومة، أو ظلم أحدًا، فهل يكون هذا حجة على جميع من ينتسب إليه بزعمه؟!
ولو سلكنا هذا المسلك لبطل علم العلماء كلهم؛ إذ ما من إمام إلا وله أتباع أخطؤوا وغلوا، ولم يقل أحد من أهل العلم إن أخطاء الأتباع تبطل أصول الإمام.
ثم إن المقالة لم تذكر دليلاً واحدًا من كلام الشيخ ربيع نفسه يثبت هذه التهم، وإنما اعتمدت على أوصاف إنشائية من قبيل: "هم يفعلون"، و"هم يعتقدون"، و"هم يرون"... فأين النقول؟ وأين التوثيق؟ وأين التحقيق العلمي؟
ومن أعجب ما فيها اتهامهم بأنهم يجعلون أقوال مشايخهم معصومة!
وهذا من أبطل الباطل؛ فالشيخ ربيع نفسه يكرر في كتبه ومحاضراته أن العصمة للرسول ﷺ، وأن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك.
وكذلك كبار تلامذته يقررون هذا الأصل صباح مساء.
فكيف يجوز نسبة خلاف ذلك إليهم بلا برهان؟
وأما زعمه أنهم يمنعون القراءة لابن حجر والنووي، فهو من الكذب الظاهر؛ فإن طلاب الشيخ ربيع في مشارق الأرض ومغاربها يدرسون "فتح الباري لابن حجر"، و"شرح مسلم للنووي"، وكتب ابن كثير، وابن عبد البر، وابن القيم، وغيرهم، مع التنبيه على ما فيها من أخطاء، وهو عين ما كان يفعله علماء السنة قديمًا وحديثًا.
وأما قوله إنهم يجعلون الولاء والبراء قائمًا على الأشخاص، فإن أول من خالف هذا الأصل هو الكاتب نفسه؛ إذ جعل مجرد الانتساب إلى الشيخ ربيع موجبًا للطعن والتشويه، وجعل الناس صنفًا واحدًا لا تفاوت بينهم، وهذه هي الحزبية التي يعيبها على غيره.
وأما قوله إنهم يوالون الحكام مطلقًا، فهذا تلبيس ظاهر؛ فإنهم يقررون ما قرره الإمام أحمد، والبخاري، والطحاوي، وابن تيمية، وابن باز، وابن عثيمين، من وجوب السمع والطاعة في المعروف، وتحريم الخروج، والنصيحة بالطرق الشرعية.
فهل صار مذهب الإمام أحمد اليوم "مدخلية"؟!
وهل كان ابن باز "مدخليًا" حين قرر هذه الأصول؟
إن من أكبر أسباب الفتن في هذا العصر تحويل أصول أهل السنة إلى ألقاب حزبية؛ فمن تكلم بالسمع والطاعة قيل: مدخلي، ومن حذر من الإخوان قيل: جامي، ومن رد على القطبيين قيل: رجل أمن، حتى صار الناس يفرون من تقرير عقائد السلف خوفًا من الألقاب.
وأما دعواه أنهم يهتمون بالردود ويتركون الإلحاد والبدع، فهي دعوى يكذبها الواقع؛ فإن علماء هذا الاتجاه - تنزلا - لهم مؤلفات ودروس في التوحيد، والعقيدة، والفقه، والحديث، والتفسير، والآداب، والرد على الرافضة، والخوارج، والصوفية، والإخوان، والحدادية، والقطبيين، وسائر أهل الأهواء.
لكن الخصوم لا يرون إلا ما يوافق أهواءهم.
والأعجب أن الكاتب ملأ مقالته بأوصاف مثل: "الوشاية"، و"التقارير الأمنية"، و"التوظيف السياسي"، و"العجب"، و"التعالي"، دون إقامة شاهد واحد، ولا نقل موثق، ولا واقعة ثابتة، وكأن مجرد الدعوى أصبحت دليلًا.
ولو كتب خصم له مقالة بعنوان: "علامات أبي الحارث التلكيفي"، ثم نسب إليه وإلى أتباعه أحد عشر عيبًا بلا بينة، لعد ذلك ظلمًا وافتراءً، فلماذا يرضى لنفسه ما لا يرضاه لغيره؟
إن الواجب على المسلمين أن يتقوا الله في أعراض العلماء وطلبة العلم، وأن يعلموا أن هذه الألقاب الحزبية لم تُورث الأمة إلا مزيدًا من الفرقة والعداوة.
ومن ثبت عليه خطأ بعينه رُدَّ خطؤه بالدليل، ومن ظلم أُخذ على يده، ومن غلا نُصح، لكن لا يجوز أن تُشن حملات التشويه على جماعات من أهل السنة بسبب أخطاء أفراد، ولا أن يُجعل لقب "مدخلي" سيفًا مسلطًا على كل من تمسك بأصول السلف في باب السنة، أو حذر من أهل الأهواء.
وفي الختام؛ فإننا لا نزعم العصمة للشيخ ربيع، ولا لغيره من العلماء، بل كل يؤخذ من قوله ويترك، لكننا نرفض الظلم، ونرفض الكذب، ونرفض التعميم، ونرفض تحويل الخلافات العلمية إلى حملات تشويه، فإن هذا ليس من منهج السلف، وإنما هو من منهج أهل الأهواء الذين يهدمون الرجال بالألقاب قبل مناقشة الأقوال بالأدلة.
ونسأل الله أن يرزق الجميع العلم النافع، والعدل في الأحكام، والصدق في الأقوال، وأن يجنب المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
انظر مقال التلكيفي الجائر أسفل الرد لأن التعليقات لا تتحمله من طوله وحشوه
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
مطروح عروس الساحل الشمالي
الخميس ٢ صفر ١٤٤٨ هجرية
--------------------------
وفي الختام؛ فإننا لا نزعم العصمة للشيخ ربيع، ولا لغيره من العلماء، بل كل يؤخذ من قوله ويترك، لكننا نرفض الظلم، ونرفض الكذب، ونرفض التعميم، ونرفض تحويل الخلافات العلمية إلى حملات تشويه، فإن هذا ليس من منهج السلف، وإنما هو من منهج أهل الأهواء الذين يهدمون الرجال بالألقاب قبل مناقشة الأقوال بالأدلة.
ونسأل الله أن يرزق الجميع العلم النافع، والعدل في الأحكام، والصدق في الأقوال، وأن يجنب المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
انظر مقال التلكيفي الجائر أسفل الرد لأن التعليقات لا تتحمله من طوله وحشوه
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
مطروح عروس الساحل الشمالي
الخميس ٢ صفر ١٤٤٨ هجرية
--------------------------
علامات المدخلي 🎤🎤🎤
سألني أحد الأفاضل ( السلام عليكم/شيخنا ممكن توضح لي من هم المداخلة؟
وكيف تعرف هذا الشخص مدخلي؟ أم على منهج السلف الصالح؟وجزاك الله خير.؟) .
فأجبته :
علامات حزب المداخلة :
أولاً: مصدر التلقي (بين التأصيل النظري والانحراف العملي)
يرفع المداخلة شعار "الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة" من الناحية النظرية، لكن التلقي العملي والواقعي لديهم محصور في فتاوى وأشرطة بضعة شيوخ معاصرين للتيار. وتُعامل أقوال هؤلاء المشايخ كأنها نصوص معصومة لا تقبل النقاش؛ فإذا رجّح شيخهم رأياً فقهياً أو أصدر حكماً تصنيفياً على أحد، أصبح هذا القول هو "المنهج" الذي لا يجوز الحياد عنه. ويترتب على ذلك حظر أخذ العلم أو الفقه أو الحديث من علماء الأمة الراسخين خارج دائرتهم الضيقة، ومن فعل ذلك اتُّهم في دينه وعقيدته.
ثانياً: مفهوم الولاء والبراء (التحوير وضيق الدائرة)
بينما تقرر العقيدة السلفية الحقيقية أن الولاء والبراء معقود على الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، وأن المسلم يُوالى بقدر ما عنده من إيمان ويُبغض بقدر ما عنده من معصية، قام المداخلة بتحوير هذا الأصل العظيم؛ فصار الولاء والبراء عندهم معقوداً على "المواقف الشخصية والحزبية". فمعيار القرب والبعد هو مدى موافقة الشخص لرموز تيارهم؛ فمن وافقهم وبدّع خصومهم فهو الأخ القريب ولو كان قليل العلم، ومن خالفهم في تبديع أحد أو انتقد مسلكهم عادوه عداوة أشد من عداوتهم لأهل البدع الكبرى، مما مزق أواصر الأخوة الإيمانية وجعلها ولاءً طائفياً ضيقاً.
ثالثاً: التعامل مع المخالف (الإسقاط وسياط التجريح)
يتميز تعامل المداخلة مع المخالف بالخصومة الشديدة والولع بـ "إسقاطه" بالكلية، وهو ما يناقض منهج السلف القائم على العلم والعدل ورحمة الخلق. فلا يعرف المداخلة مساحة للاجتهاد السائغ أو الإعذار؛ بل يوصم المخالف في مسألة فرعية أو اجتهادية بأنه "مبتدع" أو "ضال". ومن أساليبهم الشهيرة "التبديع بالتسلسل" (أو التبديع بالمجالسة)، فمن لم يبدّع المخالف يُبدّع هو الآخر، ويستحلون غيبته، ويحذرون من حضور مجالس علمه، ويهجرونه هجراً كلياً بهدف إفنائه معنوياً واجتماعياً.
رابعاً: الغلو في امتحان الناس بالأشخاص والتعصب المعاصر
من أوضح علاماتهم العمليّة جعل أشخاص معاصرين بأعينهم محكاً واختباراً لإسلام المرء أو سلفيته. فتتحول مجالسهم، ومحاضراتهم، ولقاءاتهم من تدارس العلم الشرعي النافع إلى تساؤلات وامتحانات مستمرة من عينة: "ما رأيك في الشيخ فلان؟" و"ما موقفك من الداعية علان؟". وبناءً على الجواب، يصدرون صكوك الدخول في السلفية أو الخروج منها، وهو مسلك مبتدع لم يعرفه أئمة الإسلام عبر التاريخ إلا مع أصحاب الأهواء.
خامساً: إسقاط صفة "العالم" عن المخالفين ومحاربتهم بالألقاب
إذا اختلف المداخلة مع عالم راسخ أو داعية معروف له ثقل علمي وقبول في الأمة، فإنهم لا يناقشون أدلته بعلم وأدب، بل يعمدون فوراً إلى تجريده من وصف العلم، فيصفونه بأنه "قاص"، أو "صحفي"، أو "حاطب ليل"، أو "عاطفي" لتهوين شأنه. كما يخترعون ألقاباً ينبزون بها خصومهم للتنفير منهم، مثل: "المميعة"، "القطبية"، "السرورية"، و"الإخوانية المتسترة"، ليقطعوا الطريق على الشباب من الاستماع إليهم أو الاستفادة من كتبهم.
سادساً: الغلو في طاعة ولاة الأمر وتوظيفها السياسي
بينما يقرر المنهج السلفي طاعة ولاة الأمر في المعروف وتجنب الخروج عليهم مع بذل النصح المنضبط، يذهب التيار المدخلي إلى الغلو والإفراط؛ فيحرمون أي نوع من أنواع الإنكار العلني أو نقد السياسات العامة، حتى لو كان نصحاً مجرداً وخالياً من الهوى.
ويوظفون النصوص الشرعية لتبرير وتصويب كافة قرارات السلاطين، ويرمون من يوجه أي نقد سياسي أو اقتصادي بأنه من "الخوارج"، مما حول الفكر المدخلي إلى أداة لتأميم الإنكار الشرعي والاحتساب المنضبط.
سابعاً: تحوير مفهوم "النصيحة" إلى الوشاية والتقريرات الأمنية
قلب المداخلة مفهوم النصيحة الشرعية لولاة الأمر؛ فأصبحوا يرون أن من يكتب نصيحة في السر ويسلمها للحاكم دون علن هو مبتدع وخارجي بدعوى أن "كتابة النصيحة" تعد نوعاً من التجييش! وفي المقابل، توسعوا في مسلك "الوشاية" بالدعاة والمصلحين وطلبة العلم لدى الجهات الأمنية، وكتابة التقارير بحق كل من يخالف توجهاتهم الرسمية، أو لا يظهر الولاء المطلق لرموزهم، معتبرين هذه الوشاية نوعاً من "الجهاد وتطهير الصف".
ثامناً: غياب الأولويات الدعوية وانعكاس الميادين
تتضح سمة المداخلة بوضوح في غياب فقه الأولويات لديهم. ففي الوقت الذي تواجه فيه الأمة موجات الإلحاد، والتغريب، وهدم القيم والأخلاق، والبدع العقائدية الكبرى، تجد أن السواد الأعظم من جهودهم ومصنفاتهم موجه لنقد الحركات الإسلامية، أو تصفية الحسابات الداخلية مع سلفيين آخرين اختلفوا معهم في جزئية صغيرة. فالعدو الحقيقي في أدبياتهم ليس الملحد أو المفسد، بل هو "المخالف الحزبي" أو "السلفي المميع".
تاسعاً: التناقض والتقلب المنهجي تبعاً لقرارات الساسة
بما أن بوصلتهم المنهجية تدور مع رغبات وقرارات السلطة الحاكمة وجوداً وعدماً، فإنهم يقعون في تناقضات شرعية حادة. فتراهم يحرمون أمراً ما تحريماً قاطعاً ويبدعون من يفتي بجوازه (مثل بعض المعاملات، أو قيادة المرأة للسيارة، أو إقامة بعض الأنشطة الترفيهية)، ثم إذا صدر قرار رسمي من السلطة بإباحة تلك الأشياء، انقلبوا ١٨٠ درجة، وشرعوا في تبريرها والثناء على حكمة الحاكم في اتخاذها، وتبديع من يصر على التحريم الشرعي السابق!
عاشراً: الفوقية والتعالي الإيماني (العجب المعرفي)
يتولد لدى المنتمين لهذا الفكر شعور جارف بالاستعلاء وتزكية النفس، حيث يعتقد المدخلي أنه وحزبه فقط هم "الفرقة الناجية" و"الطائفة المنصورة" على وجه الأرض، وأن سائر المسلمين -بمن فيهم بقية علماء السلفية- إما مبتدعة، أو جهلة مخدوعون. هذا الشعور يجعلهم يتعاملون بصلف وكبر مع عامة المسلمين، وتغيب عنهم الأخلاق السلفية في التواضع، والرحمة، والحرص على هداية الناس ونفعهم.
حادي عشر: فرض الحصار الفكري وعزل الشباب عن التراث الإسلامي
يفرض مشايخ هذا التيار حصاراً فكرياً شديداً على أتباعهم، فيحرمون عليهم قراءة كتب الفقه المقارن، أو التفسير، أو شروح الحديث التي صنفها علماء عمالقة عبر التاريخ (مثل الحافظ ابن حجر العسقلاني، أو الإمام النووي) بدعوى أن في كتبهم بعض الأخطاء العقائدية، أو أنهم "خلفيون". وبدلاً من ذلك، يحصرون عقول الشباب في قراءة رسائل الردود، والكتب الصادرة في الجرح والتجريح، ومتابعة منتديات شيوخهم، مما ينتج عقولاً ضحلة فقهياً، وعاجزة عن فهم الواقع.
والله الموفق لا رب سواه
الشيخ؛ أبو الحارث التلكيفي الموصلي