الحلقة الأولى في
لعلها تصل إلى بعض إخواننا فتقوى قلوبهم؛ ولله في خلقه شئون
الحلقة الأولى في:
(قراءة منهجية لمختارات من كلام شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين؛ أما بعد:
فإن من الكلمات التي جرت مجرى النصيحة للأمة، وجمعت بين وضوح المنهج، وصدق الغيرة على الدين، قولُ شيخنا الإمام المحدِّث ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله: «السكوت الدائم والحياد الدائم هذا خذلان للحق» كما في بهجة القارئ (77–78).
وهي كلمةٌ يسيرة المبنى، عظيمة المعنى، تختصر أزمةً متكرِّرة في تاريخ الفتن، وتضع يدها على موطن الداء؛ إذ لا يضعف الحق غالبًا لقوة خصومه، وإنما يضعف حين يسكت عنه أهله، أو يقف أنصاره موقف المتفرِّج باسم الحكمةِ أو السلامة؛ ولأهمية هذه الكلمة، تأتي هذه القراءة المنهجية في بعض معانيها ودلالاتها:
أولًا: الناس في موقفهم من الحق والباطل:
الناس – في نظرتهم إلى الحق والباطل، وموقفهم منهما – على أربعة أقسام:
القسم الأول:
هم قومٌ عرفوا الحق فآمنوا به وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، ونصروه بكل يقين وإخلاص ودعوا إليه على بصيرة، أهل الإيمان ودوحة التقوى، اجتمعت فيهم أركان العلم والعمل، فصاروا للحق أعوانًا صادقين وثابتين في سبيله؛ متى احتاج الحق إلى نصرة، وقفوا له بالعلم والعمل، فصاروا قُدوة للأمة ونورًا يهتدي به التائهون في زمن كثرت فيه الفتن.
القسم الثاني:
قومٌ عرفوا الحق ثم جحدوه وأنكروه، إما كبرًا أو حسدًا أو اتباعًا للهوى؛ فهؤلاء قامت عليهم الحجة، وأعرضوا عنها، وهم أهل العناد والضلال.
القسم الثالث:
قومٌ لم يتبيَّن لهم الحق بيانه الكافي، ولم ينكشف لهم الباطل على وجهه، فصاروا أتباعًا للغالب، يُساقون بالدعاية، وتستعملهم العقول الماكرة؛ فهم مع الحق إذا قوي، ومع الباطل إذا علا، لا ثبات لهم على أصل، ولا رسوخ لهم على منهج.
القسم الرابع:
قومٌ عرفوا الحق والباطل معًا، وميَّزوا بينهما، وعرفوا عاقبة كل طريق، ومع ذلك آثروا الوقوف موقف المتفرِّج، فسمُّوا هذا التخلِّي حيادًا؛ وهو في حقيقته موقف لا يقرِّه عقل سليم، ولا يرضاه شرع مستقيم.
ثانيًا: حقيقة الحياد ومآله:
الحياد – في مواضع التمييز – ليس موقفًا محايدًا في ذاته، بل هو تركٌ لنصرة الحق، وكفٌّ عن إنكار الباطل؛ فهو من جهة خذلان، ومن جهة أخرى رضىً ضمنيٍّ، وإن تجمَّل صاحبه بحسن القصد.
فالساكت عن الحق لا ينفعه صمته، ولا يُعفيه من تبعات الموقف؛ إذ الباطل لا ينتشر بقوته الذاتية فحسب، وإنما ينتشر حين يُترك بلا معارضة، ويقوى حين تُخلى له الساحة.
ثالثًا: أسباب الوقوع في الحياد:
وأسباب هذا المسلك كثيرة، يجمعها ضعف اليقين، وقلة الثقة بوعد الله، ومن أبرزها:
1- ضعف النفس، والخوف من فقد الجاه أو المنزلة أو المصالح الدنيوية.
2- التذبذب وعدم الثبات؛ فإن من لم يرسخ على أصل، لم يستقم له موقف.
3- مداهنة الناس، ومراعاة أهوائهم وعوائدهم، خشية القطيعة أو العزلة أو سقوط الحظوة.
وقد دلَّ الواقع – كما دلَّت النصوص – على أن من قام بالحق صادقًا رفعه الله في القلوب، ومن آثر السلامة على حساب الحق وُضِع ولو بعد حين.
رابعًا: أصلٌ شرعيٌّ راسخ في وجوب البيان:
إن السكوت عن البيان عند الحاجة ليس من الورع في شيء، بل قد يكون سببًا للمؤاخذة والعقوبة إذا كان الساكت قادرًا على البيان. وقد دلَّت نصوص الوحي على ذلك دلالةً ظاهرة؛ قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [ المائدة: 78– 79 ]، وثبت في السنن من حديث الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ»، ولهذا اتفق أهل العلم على أن صمت القادر عند ظهور الحق ليس حكمةً تُحمد، ولا ورعًا يُثنى عليه، بل خللٌ في أداء الأمانة، كما أن الحياد الدائم وإمساك العصا من الوسط في مواضع التمييز لا يستقيم مع أمانة العلم.
ومن هنا قال شيخنا الإمام ربيع رحمه الله: «السكوت الدائم والحياد الدائم هذا خذلان للحق»، وليس مراده الإكثار من الكلام، ولا التصدُّر في كل مقام، وإنما القيام بالواجب حين يتعيَّن، والبيان حين يُطلب، والنصرة حين يُخذل الحق.
خامسًا: الرفق لا ينافي الصدع بالحق:
قد يتذرَّع بعض الناس بالرفق ليجعل الصمت مذهبًا دائمًا، والحياد خُلُقًا مطَّرِدًا، مع أن الرفق – وإن كان خُلُقًا محمودًا – فمن المغالطة أن يُرفع إلى منزلة يُعطَّل بها البيان، ويُجعل سُلَّمًا يُترك به الحق عرضةً للتضييع.
فالرفق المشروع لا يناقض الوضوح، ولا يعارض الصدع بالحق، وإنما يتمثَّلُ في حسن العبارة، وترتيب الحجة، واجتناب التشنُّج، مع الثبات على الموقف، وصدق الدلالة، والعدل في الحكم.
أما الرفق الذي يذوب معه الحق، وتُطمس به المعالم، ويُسوَّغ به السكوت عند الحاجة، فليس من الرفق في شيء، بل هو ضعفٌ يتزيَّا بزيِّ الرفق والحِلم.
سادسًا: مسؤولية طالب العلم وتفاوت القدرات:
طالبُ العلم ليس مجرد اسم يُكتب في السجلات، ولا متفرجًا صامتًا على مجريات الفتن، وإنما هو صاحب أمانةٍ عظمى، وحاملُ ميراثٍ شريف؛ فإذا تلبَّست الأمور واضطربت الأقوال، تعيَّن عليه من المسؤولية بقدر ما معه من علم وبصيرة.
غير أن هذا الواجب ليس على وتيرةٍ واحدة، ولا يُطالَب الناس فيه على حدٍّ سواء؛ إذ طاقاتُ طلاب العلم تتفاوت، ومداركهم تختلف، ومنازلهم في الفهم والاستدلال ليست سواءً، وقد جعل الله لكلٍّ قدرًا، ولكلٍّ سعة.
• فمنهم من آتاه الله ملكةَ تحرير المسائل، وجمع الأدلة، والترجيح بين الأقوال، وربط الفروع بأصولها، وبيان الحق بلسانٍ واضح وحجةٍ محرَّرة؛ فهذا يتعيَّن عليه البيان بقدر ما آتاه الله من علم، ولا يسعه الصمت إذا ظهر الحق والتبس الأمر على الناس، لأن كتمان البيان مع القدرة تقصيرٌ في أداء الأمانة.
• ومنهم من لم يبلغ هذه المرتبة في الاجتهاد والتحرير، غير أنه يحسن فهم كلام العلماء الراسخين، ونقل أقوال الأكابر، والذبَّ عن منهج السلف، وردَّ الشبهات بكلام أهل العلم الموثوقين، دون تكلُّف ولا تصدُّر؛ فهذا أيضًا له نصيبٌ من البلاغ، وهو داخلٌ في عموم القيام بالحق، ولا يُعفى من المسؤولية بحجة القصور ما دام يملك وسيلة البيان المأمون، والرجوع إلى أهل العلم.
فليس المطلوب من الجميع أن يكونوا في منزلةٍ واحدة، ولا أن يتكلَّم كلٌّ بما لا يُحسن، وإنما المطلوب أن يقوم كلُّ طالب علم بما يقدر عليه، فيضع نفسه في موضعها اللائق، فلا يتقدَّم بغير علم، ولا يتأخَّر عن واجب البيان إذا تعيَّن، ولا يجعل التواضعَ ذريعةً إلى الصمت، ولا القصورَ ستارًا لترك النصرة.
وبهذا ينتظم أمر البيان، وتتكامل الجهود، ويقوم الحق برجاله، كلٌّ على ثغرٍ مما يسَّره الله له، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾.
ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: «إذا سكت العالم تقيةً، والجاهل لا يعلم، فمتى يُبيَّن الحق؟» وهي كلمةٌ صارت ميزانًا في باب البيان، ودستورًا في فقه المواقف.
فالفتن إنما تتعاظم بصمت أهل العلم، وتنتشر الشبهات حين يتكلم أهلها ويسكت أهل الحق.
خاتمة:
إن الحياد في زمن الفتن ليس سلامة، بل خسارة، وليس حكمة، بل تضييع للأمانة. فالحق لا يُنصر بالصمت، ولا يحيا بالوقوف على خجل، وإنما يقوم بالشجاعة والصدع به، ويعلو برجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
ولمن لم تبلغهم قوة المنهج بعد، أو ضعفت لديهم القدرة على الاستدلال والتحرير: عليهم ألا ينكروا على إخوانهم، ولا يتعصبوا للأشخاص، بل يحرصوا على التعلم، والتثبت من الحقائق، والنصيحة بالتي هي أحسن، مع مراعاة الأدب والرفق، والبعد عن التعجل في الحكم على الناس.
فاحرص، أيها الأخ السلفي الصادق، أن تكون مع الحق حين يُطلب البيان، وأن تدافع عن دين الله بما أوتيت من علم وبصيرة، وأن تكون سببًا في نصرة الحق، لا عونًا للباطل بسكوتك أو حيادك.
ومن أهم وسائل التثبيت على الحق، وبيان المنهج السلفي بوضوح، الرجوع إلى كتب شيخنا الإمام ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله؛ فهي ذخيرة علمية صافية، ومرجع سليم لكل من أراد الهداية في بيان الحق، وتصحيح المفاهيم، وتثبيت منهج السلف.
ولذلك كان وقوفي مع بعض كلماته النيرات قراءةً منهجيةً، أعرضها بعناية وفهم – ما استطعت -، وإن شاء الله ستكون هذه القراءات متتابعةً على حلقات، لعون القارئ على التعرف على معانيها، والاستفادة من حكمتها، وتثبيت النهج الحق على بصيرة، وترسيخ أصول وقواعد هذا المنهج القويم.
ونسأل الله أن يجعلنا من القائمين بالحق، والداعين إليه على بصيرة، وأن يثبتنا على الإسلام والسُّنَّة حتى نلقاه، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الثغر السكندري – حرسه الله – وسائر بلاد المسلمين.
السبت: 22 / جمادى الآخر / 1447 هـ.
منقول من: [object Object]