الرد الكاوي على صوتية الشيخ رائد المهداوي
(الرد الكاوي على صوتية الشيخ رائد المهداوي)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فإن من أعظم ما مُنيت به الدعوة السلفية في هذا الزمان، وأشدُّ ما كُدِّر به صفوها، الظلم في الخصومة، والغلو في المشايخ، وقلب الحقائق، وتلبيس الباطل بثوب المنهج؛ حتى صارت الأخطاء تُسوَّغ، والانحرافات تُدافع، والبيان يُصوَّر فتنة، والعدل يُرمى بالتشغيب.
ويا لله العجب فقد خرج علينا الشيخ رائد بن عبدالجبار المهداوي – هداه الله وسدده – بصوتيةٍ اشتملت على جملةٍ من المخالفات المنهجية الجسيمة، والدعاوى العريَّة عن الدليل، والأحكام الجائرة؛ مما لا يسوغ السكوت عنه، ولا يحلُّ إقراره، لما يترتب عليه من تشويش على الأصول، وإثارة للفرقة، وترسيخ لمسالك الغلو والتعصب التي طالما حذَّر منها أئمة السلف قديماً وحديثاً.
وإن بيان هذه المخالفات ليس من باب الانتصار للأشخاص، ولا من دواعي الهوى والخصومة، وإنما هو نصحٌ لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وذبٌّ عن المنهج السلفي الصافي من أن يُحمَّل ما ليس منه، أو يُنسب إليه ما يناقض أصوله وقواعده، وإنصافٌ لمن ظُلم بالافتراء، أو رُمي بما لم يقل ولم يعتقد.
فكان لزامًا إيضاح الحق، وكشف التلبيس، وردُّ الخطأ إلى قائله كائنًا من كان، إذ الحق يُعرف بدليله، ولا يُعرف بالرجال، والميزان عند أهل السنة هو الوحي وفهم السلف، لا العواطف ولا التكتلات.
أولًا: دعوى جعل قضية السودان (مِحنة) واتهام الشيخ نزار – حفظه الله – بالامتحان:
قال الشيخ رائد المهداوي في صوتيته: «الشيخ نزار جعل قضية السودان محنة يختبر بها السلفيين».
وهذه دعوى عارية عن الدليل، لا تستند إلى بيِّنة شرعية، ولا تقوم على نقلٍ صحيح، بل تتضمن اتهامًا للنيات، ورميًا بالظلم والافتراء، وهو مسلك محرَّم شرعًا، ومردود منهجًا، لا يليق بأهل السنة فضلًا عن الدعاة إليها.
ثم إن السؤال المنهجي الذي لا مفرَّ منه هو:
من الذي امتحن الناس حقيقة؟
أهو من قرَّر الأصول المتفق عليها عند أهل السنة، من لزوم السمع والطاعة في المعروف، وردَّ الانحراف بالدليل والبرهان، من غير تهويل ولا تشهير؟
أمَّن جعل مجرَّد البيان العلمي محنة، وصوَّر النصيحة الشرعية فتنة، وقلب ميزان المنهج حتى صار الحق امتحانًا، والباطل سلامة؟
ولا ريب أن الظلم في هذا الاتهام ظاهر، والافتراء فيه بيِّن، ولا يجوز بحالٍ أن يُنسب هذا إلى عالمٍ سلفيٍّ معروف بالتحقيق والاتباع، كفضيلة الشيخ نزار – وفقه الله – بغير حجة صحيحة ولا برهانٍ صريح؛ فإن منهج السلف قائم على العدل، والتثبت، ووزن الأقوال بالدليل، لا على الظنون والتخرصات.
ثانيًا: الاعتراض على مطالبة الشيخ البخاري دون غيره من العلماء:
قال الشيخ رائد المهداوي في صوتيته: «لماذا يُطالب البخاري دون غيره من العلماء؟».
وهذا الكلام من التغرير والتلبيس؛ إذ ليس من أصول أهل السنة أن يُطالَب كلُّ عالمٍ في كلِّ نازلة، ولا أن يُسأل الجميع عن كل حادثة، وإنما يُطالَب بالبيان من تكلَّم في المسألة، أو نُسب إليه قولٌ مؤثِّر، أو جُعل مرجعًا يُرجع إليه في النوازل؛ فحينئذٍ يكون البيان حقًّا لازمًا، لا انتقائية فيه ولا استهداف.
ثم العجب – كل العجب – أن هذا الاعتراض يصدر ممن يقررون في الوقت نفسه أن الشيخ البخاري – حفظه الله وسدده – مرجعٌ للسلفيين، يُرجع إليه في القضايا الكبار والنوازل العظام!
فكيف يُجعل مرجعًا عند الرضا، فإذا بُيّنت أقواله، وطُلب توضيحها، قيل: لماذا هو دون غيره؟!
إن هذا تناقضٌ ظاهر، لا يستقيم مع ميزان العدل، ولا يقرُّه المنهج السلفي القائم على الوضوح والإنصاف، فإما أن يكون مرجعًا فتُطلب أقواله ويُناقش كلامه، وإما أن لا يكون كذلك، فلا يُحتجُّ باسمه ولا يُدفع به على حسب الهوى؛ وأما الجمع بين الأمرين فمسلكٌ مرفوض، لا يعرفه أهل التحقيق.
ويُزاد على ذلك أن الشيخ البخاري – حفظه الله – قد تكلَّم غيرَ مرة في هذه النازلة بعينها، بكلامٍ فُهِم منه أمورٌ شوَّشت على الصف السلفي؛ من ذلك توصيف القتال في السودان بأنه فتنة لا يُعرف فيها الحق من الباطل على إطلاقٍ، وهذا الإطلاق له عواقب وخيمة؛ قبلًا وبعدًا، خاصةً عند استنفار وليِّ الأمر البرهان الناسَ لقتال الخوارج البغاة، فإن التباس الألفاظ في هذا الباب يورث تمييعًا للأحكام، ويوقع العامة في الحيرة، ويضعف لزوم الجماعة والطاعة في المعروف.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]، ولهذا كان طلب البيان والتوضيح واجبًا عند الاشتباه، لا سيما إذا صدر الكلام ممن يُرجع إليه كالعلامة البخاري وفقه الله، لأن الإجمال في مواضع التفصيل مفسدة، والسكوت عنه يفتح أبواب الفتن.
قال الإمام أحمد - رحمه الله - في وصفه لأهل البدع في رسالته (في رسالته الرد على الزنادقة والجهمية) - وحاشا العلامة عبد الله البخاري من ذلك -: (هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويُلَبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات ووزنتْ بالكتاب والسنة كان ذلك هو الحق بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ نفياً وإثباتاً في الوسائل والمسائل من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو الصراط المستقيم وهذا من مثارات الشبه ... ) اهـ
وقال شيخنا الإمام ربيع رحمه الله: وقد مرَّ بي في مداواة النفوس لابن حزم ذمه للإجمال الظاهر في المعنى السيئ ولو فُسِّر بعدُ وبُيِّن = قال أبو علي ابن حزم رحمه الله: ( وأنا أقول إن من وصفي بذلك فقد أجمل الكلام ولم يفسره والكلام إذا أُجمل اندرج فيه تحسين القبيح وتقبيح الحسن ألا ترى لو أن قائلاً قال : إن فلاناً يطأ أخته ! لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فُسِّر فقال : هي أخته في الإسلام ظهر فُحش هذا الإجمال وقبحه).
قال شيخنا الإمام ربيع رحمه الله معلقاً: (لم يقل ابن حزم حتى إذا فسِّر زال الحرج والملام بل قال حتى إذا فسّر ظهر فحش هذا الإجمال وقبحه، أنظروا – يا قوم - مجملٌ ويُوسَم بالفُحش والقبح ومع ظهور قبح قول القائل : ( فلان يطأ أخته ) إلاّ أنه لا يزال في اللفظ إجمال لاحتمال أن يكون المراد أخته في الإسلام؛ فتأمل تعبير العلماء في إطلاق لفظ المجمل على ما كان ظاهراً في المعنى السيئ ودفع هذا الإجمال وردُّه ولا يتسلُّون عن هذا الزجر للمجمل بأنه له تفسيراً حسناً !) انتهى من رده على أبي الحسن المأربي.
فبان بهذا أن مطالبة الشيخ البخاري بالبيان والتوضيح ليست استهدافًا ولا انتقائية، بل هي مقتضى المنهج، ولازمة المرجعية التي ارتضاها له مَن يعترض اليوم على سؤاله ودفع هذا الإجمال وردُّه.
ثالثًا: تقرير أن تزكية الشيخ نزار تعني العصمة!:
ومن أخطر ما في هذه الصوتية:
تقرير المهداوي أن تزكية الشيخ الفاضل العالم النحرير نزار بن هاشم - وفقه الله وسدده – من قبل لأخيه الشيخ العلامة المحدث عبد الله البخاري حفظه الله تعني أنه لا يجوز له الرد عليه أبدًا، واستدلاله بأثر حذيفة رضي الله عنه: «إِنَّ الضَّلَالَةَ حَقُّ الضَّلَالَةِ أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ، وَتُنْكِرَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ، وَإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنَ فِي الدِّينِ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ وَاحِدٌ»، فهذا استدلال في غير موضعه، بل هو من أصول الغلو، إذ: التزكية لا تعني العصمة، ولا تمنع الرد إذا وقع الخطأ، ولا تُسقط قاعدة: كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم، وقد زكَّى الأئمة بعضهم بعضًا، ثم ردَّ بعضهم على بعض، دون أن يُعد ذلك ضلالة ولا فتنة.
أما ما فعله المهداوي فهو غلوٌّ واضح، وتضخيم لا مبرر له، وتحويل الاحترام والتقدير من الشيخ نزار لأخيه الشيخ البخاري إلى تكبيل لليد وتكميم للأفواه وغض للطرف عن الأخطاء إن وجدت والجنوح إلى عصمة محظورة.
إنه يريد أن يجعل الردَّ على الخطأ جريمة أو بدعة، والتزكية مانعًا من بيان الحق، وهذا تلفيق للحق باسم المنهج، وتشويش للصف السلفي، دون سند شرعي أو دليل عقلي، وهذا والله لا نعرفه عن المنهج السلفي.
رابعًا: الغلو في وصف الشيخ البخاري بالإمامة:
وصف الشيخ رائد المهداوي للشيخ البخاري - حفظه الله - بأنه «من الأئمة»، ونعتُه بالإمامة في هذا السياق الدفاعي، ليس وصفًا علميًا مجردًا، بل تمهيد لإسقاط النقد، وتحريم الرد، وتأثيم المخالفين. والشيخ البخاري – حفظه الله – لا يقبل هذا الغلو الطائش ولا يرتضيه، لأنه خارج عن قواعد المنهج السلفي في تقدير العلماء.
وأهل السنة – وفقهم الله – يفرقون بين إطلاق الألقاب العلمية وحسن تنزيلها وبين الفضل النسبي، ولا يجعلون الألقاب سلَّمًا لتعطيل المنهج أو إسقاط الحق أو تكميم الأفواه.
وقد أجمعت نصوص السلف على أن الغلو في الأشخاص أول طريق الفتن وآخره التفرق والخصومات، وأن التقدير الواجب هو تقدير الحق والدين، مع حفظ كرامة العالم بلا غلو ولا تفريط.
خامسًا: ربط الردود بفتنة (المصعفقة):
ويقول المهداوي في هذه الصوتية أيضا - كما قال أسعد الزعتري وأقره أخوه -:
«هذه امتداد لفتنة المصعفقة»
من أسهل التهم – عند من رق دينه - وأخطرها؛ إذ: يُسقط بها الردود جملة، ويُصادر بها النقاش العلمي، ويُخوَّف بها الناس من الحق.
والفضل لله وحده قد أشبعت هذه الشبهة تفنيدا في مقالي: (كشف الشبهات ورفع الالتباس) فليراجعه من أراد الوقوف على تفنيد هذه الشبهة ودحضها، وليعلم أن إقحام المصطلحات التحذيرية مثل: «امتداد لفتنة المصعفقة»، لترويع الناس وتعطيل النقاش، هو عين مسلك الحدادية والمنهجيات الفاسدة، التي حذر منها السلف.
وختاماً:
إن ما صدر من الشيخ رائد المهداوي – هداه الله – فجأة ليوقع في النفوس ريبة، ويشكك في خبايا الزوايا، ويصور أن الأمر مدبر وعلى تواطؤ، ليس إلا محاولة لتضليل الناس وتشويش الصف السلفي، وجرِّ الطلاب إلى الالتباس.
والمتأمل في سياق هذه التصرفات يرى امتداد أذرع حزب جديد، وتواصلات مشبوهة بين القوم، واستغلالهم للأقوال التحذيرية في تخويف الطلاب والعوام، كما ثبت من أفعالهم وأقوالهم السابقة، فلا عجب أن يربطوا الردود العلمية بفتن وهمية، ويجعلوا من التزكية عصمة محظورة، ومن النقد جريمة، ليصنعوا خريطة وهمية للخصوم والتكتلات، ويزرعوا الفتنة تحت ستار المنهجية.
فأين الردود العلمية التي يصان بها الدين ويزان بها المنهج؟ ثم أين التراحم والترابط والتعاطف القديم يا مهداوي ؟ فجأة بلا مقدمات ... الله المستعان،
قال النبي ﷺ: « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى » متفق عليه.
فإذا كانت الصفوف متفرقة، والقلوب مرتبكة، فإن الفتن تنتشر، والأعداء يفرحون، وحقائق الدين تضلل. ولذلك كان واجب أهل العلم والدعاة الصادقين: بيان الحق بالدليل، وكشف التلبيس والتحريف، وتثبيت الصف على الكتاب والسنة، ومراعاة المنهج السلفي في التزكية والرد، ورفع المنهج فوق الأشخاص والأحزاب والتحزبات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
فالحذر كل الحذر – يا إخوتي – من هذه الأمور التي تُبعد الناس عن بيان الحق، وتفكك الصف، وتضعف الدعوة، ولا بد من التمسك بالمنهج الحق، والحفاظ على الصف، وصيانة الدعوة السلفية من الشوائب والفتن.
نسأل الله عز وجل أن يرد الجميع إلى الحق ردًا جميلاً، وأن يحفظ الدعوة السلفية من كل فتنة ظاهرة وباطنة، وأن يجعل عملنا كله خالصًا لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية من الديار المصرية حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين.
ليلة الأحد: 6 شعبان 1447 هـ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فإن من أعظم ما مُنيت به الدعوة السلفية في هذا الزمان، وأشدُّ ما كُدِّر به صفوها، الظلم في الخصومة، والغلو في المشايخ، وقلب الحقائق، وتلبيس الباطل بثوب المنهج؛ حتى صارت الأخطاء تُسوَّغ، والانحرافات تُدافع، والبيان يُصوَّر فتنة، والعدل يُرمى بالتشغيب.
ويا لله العجب فقد خرج علينا الشيخ رائد بن عبدالجبار المهداوي – هداه الله وسدده – بصوتيةٍ اشتملت على جملةٍ من المخالفات المنهجية الجسيمة، والدعاوى العريَّة عن الدليل، والأحكام الجائرة؛ مما لا يسوغ السكوت عنه، ولا يحلُّ إقراره، لما يترتب عليه من تشويش على الأصول، وإثارة للفرقة، وترسيخ لمسالك الغلو والتعصب التي طالما حذَّر منها أئمة السلف قديماً وحديثاً.
وإن بيان هذه المخالفات ليس من باب الانتصار للأشخاص، ولا من دواعي الهوى والخصومة، وإنما هو نصحٌ لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم، وذبٌّ عن المنهج السلفي الصافي من أن يُحمَّل ما ليس منه، أو يُنسب إليه ما يناقض أصوله وقواعده، وإنصافٌ لمن ظُلم بالافتراء، أو رُمي بما لم يقل ولم يعتقد.
فكان لزامًا إيضاح الحق، وكشف التلبيس، وردُّ الخطأ إلى قائله كائنًا من كان، إذ الحق يُعرف بدليله، ولا يُعرف بالرجال، والميزان عند أهل السنة هو الوحي وفهم السلف، لا العواطف ولا التكتلات.
أولًا: دعوى جعل قضية السودان (مِحنة) واتهام الشيخ نزار – حفظه الله – بالامتحان:
قال الشيخ رائد المهداوي في صوتيته: «الشيخ نزار جعل قضية السودان محنة يختبر بها السلفيين».
وهذه دعوى عارية عن الدليل، لا تستند إلى بيِّنة شرعية، ولا تقوم على نقلٍ صحيح، بل تتضمن اتهامًا للنيات، ورميًا بالظلم والافتراء، وهو مسلك محرَّم شرعًا، ومردود منهجًا، لا يليق بأهل السنة فضلًا عن الدعاة إليها.
ثم إن السؤال المنهجي الذي لا مفرَّ منه هو:
من الذي امتحن الناس حقيقة؟
أهو من قرَّر الأصول المتفق عليها عند أهل السنة، من لزوم السمع والطاعة في المعروف، وردَّ الانحراف بالدليل والبرهان، من غير تهويل ولا تشهير؟
أمَّن جعل مجرَّد البيان العلمي محنة، وصوَّر النصيحة الشرعية فتنة، وقلب ميزان المنهج حتى صار الحق امتحانًا، والباطل سلامة؟
ولا ريب أن الظلم في هذا الاتهام ظاهر، والافتراء فيه بيِّن، ولا يجوز بحالٍ أن يُنسب هذا إلى عالمٍ سلفيٍّ معروف بالتحقيق والاتباع، كفضيلة الشيخ نزار – وفقه الله – بغير حجة صحيحة ولا برهانٍ صريح؛ فإن منهج السلف قائم على العدل، والتثبت، ووزن الأقوال بالدليل، لا على الظنون والتخرصات.
ثانيًا: الاعتراض على مطالبة الشيخ البخاري دون غيره من العلماء:
قال الشيخ رائد المهداوي في صوتيته: «لماذا يُطالب البخاري دون غيره من العلماء؟».
وهذا الكلام من التغرير والتلبيس؛ إذ ليس من أصول أهل السنة أن يُطالَب كلُّ عالمٍ في كلِّ نازلة، ولا أن يُسأل الجميع عن كل حادثة، وإنما يُطالَب بالبيان من تكلَّم في المسألة، أو نُسب إليه قولٌ مؤثِّر، أو جُعل مرجعًا يُرجع إليه في النوازل؛ فحينئذٍ يكون البيان حقًّا لازمًا، لا انتقائية فيه ولا استهداف.
ثم العجب – كل العجب – أن هذا الاعتراض يصدر ممن يقررون في الوقت نفسه أن الشيخ البخاري – حفظه الله وسدده – مرجعٌ للسلفيين، يُرجع إليه في القضايا الكبار والنوازل العظام!
فكيف يُجعل مرجعًا عند الرضا، فإذا بُيّنت أقواله، وطُلب توضيحها، قيل: لماذا هو دون غيره؟!
إن هذا تناقضٌ ظاهر، لا يستقيم مع ميزان العدل، ولا يقرُّه المنهج السلفي القائم على الوضوح والإنصاف، فإما أن يكون مرجعًا فتُطلب أقواله ويُناقش كلامه، وإما أن لا يكون كذلك، فلا يُحتجُّ باسمه ولا يُدفع به على حسب الهوى؛ وأما الجمع بين الأمرين فمسلكٌ مرفوض، لا يعرفه أهل التحقيق.
ويُزاد على ذلك أن الشيخ البخاري – حفظه الله – قد تكلَّم غيرَ مرة في هذه النازلة بعينها، بكلامٍ فُهِم منه أمورٌ شوَّشت على الصف السلفي؛ من ذلك توصيف القتال في السودان بأنه فتنة لا يُعرف فيها الحق من الباطل على إطلاقٍ، وهذا الإطلاق له عواقب وخيمة؛ قبلًا وبعدًا، خاصةً عند استنفار وليِّ الأمر البرهان الناسَ لقتال الخوارج البغاة، فإن التباس الألفاظ في هذا الباب يورث تمييعًا للأحكام، ويوقع العامة في الحيرة، ويضعف لزوم الجماعة والطاعة في المعروف.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]، ولهذا كان طلب البيان والتوضيح واجبًا عند الاشتباه، لا سيما إذا صدر الكلام ممن يُرجع إليه كالعلامة البخاري وفقه الله، لأن الإجمال في مواضع التفصيل مفسدة، والسكوت عنه يفتح أبواب الفتن.
قال الإمام أحمد - رحمه الله - في وصفه لأهل البدع في رسالته (في رسالته الرد على الزنادقة والجهمية) - وحاشا العلامة عبد الله البخاري من ذلك -: (هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويُلَبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات ووزنتْ بالكتاب والسنة كان ذلك هو الحق بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ نفياً وإثباتاً في الوسائل والمسائل من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو الصراط المستقيم وهذا من مثارات الشبه ... ) اهـ
وقال شيخنا الإمام ربيع رحمه الله: وقد مرَّ بي في مداواة النفوس لابن حزم ذمه للإجمال الظاهر في المعنى السيئ ولو فُسِّر بعدُ وبُيِّن = قال أبو علي ابن حزم رحمه الله: ( وأنا أقول إن من وصفي بذلك فقد أجمل الكلام ولم يفسره والكلام إذا أُجمل اندرج فيه تحسين القبيح وتقبيح الحسن ألا ترى لو أن قائلاً قال : إن فلاناً يطأ أخته ! لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فُسِّر فقال : هي أخته في الإسلام ظهر فُحش هذا الإجمال وقبحه).
قال شيخنا الإمام ربيع رحمه الله معلقاً: (لم يقل ابن حزم حتى إذا فسِّر زال الحرج والملام بل قال حتى إذا فسّر ظهر فحش هذا الإجمال وقبحه، أنظروا – يا قوم - مجملٌ ويُوسَم بالفُحش والقبح ومع ظهور قبح قول القائل : ( فلان يطأ أخته ) إلاّ أنه لا يزال في اللفظ إجمال لاحتمال أن يكون المراد أخته في الإسلام؛ فتأمل تعبير العلماء في إطلاق لفظ المجمل على ما كان ظاهراً في المعنى السيئ ودفع هذا الإجمال وردُّه ولا يتسلُّون عن هذا الزجر للمجمل بأنه له تفسيراً حسناً !) انتهى من رده على أبي الحسن المأربي.
فبان بهذا أن مطالبة الشيخ البخاري بالبيان والتوضيح ليست استهدافًا ولا انتقائية، بل هي مقتضى المنهج، ولازمة المرجعية التي ارتضاها له مَن يعترض اليوم على سؤاله ودفع هذا الإجمال وردُّه.
ثالثًا: تقرير أن تزكية الشيخ نزار تعني العصمة!:
ومن أخطر ما في هذه الصوتية:
تقرير المهداوي أن تزكية الشيخ الفاضل العالم النحرير نزار بن هاشم - وفقه الله وسدده – من قبل لأخيه الشيخ العلامة المحدث عبد الله البخاري حفظه الله تعني أنه لا يجوز له الرد عليه أبدًا، واستدلاله بأثر حذيفة رضي الله عنه: «إِنَّ الضَّلَالَةَ حَقُّ الضَّلَالَةِ أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ، وَتُنْكِرَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ، وَإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنَ فِي الدِّينِ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ وَاحِدٌ»، فهذا استدلال في غير موضعه، بل هو من أصول الغلو، إذ: التزكية لا تعني العصمة، ولا تمنع الرد إذا وقع الخطأ، ولا تُسقط قاعدة: كلٌ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم، وقد زكَّى الأئمة بعضهم بعضًا، ثم ردَّ بعضهم على بعض، دون أن يُعد ذلك ضلالة ولا فتنة.
أما ما فعله المهداوي فهو غلوٌّ واضح، وتضخيم لا مبرر له، وتحويل الاحترام والتقدير من الشيخ نزار لأخيه الشيخ البخاري إلى تكبيل لليد وتكميم للأفواه وغض للطرف عن الأخطاء إن وجدت والجنوح إلى عصمة محظورة.
إنه يريد أن يجعل الردَّ على الخطأ جريمة أو بدعة، والتزكية مانعًا من بيان الحق، وهذا تلفيق للحق باسم المنهج، وتشويش للصف السلفي، دون سند شرعي أو دليل عقلي، وهذا والله لا نعرفه عن المنهج السلفي.
رابعًا: الغلو في وصف الشيخ البخاري بالإمامة:
وصف الشيخ رائد المهداوي للشيخ البخاري - حفظه الله - بأنه «من الأئمة»، ونعتُه بالإمامة في هذا السياق الدفاعي، ليس وصفًا علميًا مجردًا، بل تمهيد لإسقاط النقد، وتحريم الرد، وتأثيم المخالفين. والشيخ البخاري – حفظه الله – لا يقبل هذا الغلو الطائش ولا يرتضيه، لأنه خارج عن قواعد المنهج السلفي في تقدير العلماء.
وأهل السنة – وفقهم الله – يفرقون بين إطلاق الألقاب العلمية وحسن تنزيلها وبين الفضل النسبي، ولا يجعلون الألقاب سلَّمًا لتعطيل المنهج أو إسقاط الحق أو تكميم الأفواه.
وقد أجمعت نصوص السلف على أن الغلو في الأشخاص أول طريق الفتن وآخره التفرق والخصومات، وأن التقدير الواجب هو تقدير الحق والدين، مع حفظ كرامة العالم بلا غلو ولا تفريط.
خامسًا: ربط الردود بفتنة (المصعفقة):
ويقول المهداوي في هذه الصوتية أيضا - كما قال أسعد الزعتري وأقره أخوه -:
«هذه امتداد لفتنة المصعفقة»
من أسهل التهم – عند من رق دينه - وأخطرها؛ إذ: يُسقط بها الردود جملة، ويُصادر بها النقاش العلمي، ويُخوَّف بها الناس من الحق.
والفضل لله وحده قد أشبعت هذه الشبهة تفنيدا في مقالي: (كشف الشبهات ورفع الالتباس) فليراجعه من أراد الوقوف على تفنيد هذه الشبهة ودحضها، وليعلم أن إقحام المصطلحات التحذيرية مثل: «امتداد لفتنة المصعفقة»، لترويع الناس وتعطيل النقاش، هو عين مسلك الحدادية والمنهجيات الفاسدة، التي حذر منها السلف.
وختاماً:
إن ما صدر من الشيخ رائد المهداوي – هداه الله – فجأة ليوقع في النفوس ريبة، ويشكك في خبايا الزوايا، ويصور أن الأمر مدبر وعلى تواطؤ، ليس إلا محاولة لتضليل الناس وتشويش الصف السلفي، وجرِّ الطلاب إلى الالتباس.
والمتأمل في سياق هذه التصرفات يرى امتداد أذرع حزب جديد، وتواصلات مشبوهة بين القوم، واستغلالهم للأقوال التحذيرية في تخويف الطلاب والعوام، كما ثبت من أفعالهم وأقوالهم السابقة، فلا عجب أن يربطوا الردود العلمية بفتن وهمية، ويجعلوا من التزكية عصمة محظورة، ومن النقد جريمة، ليصنعوا خريطة وهمية للخصوم والتكتلات، ويزرعوا الفتنة تحت ستار المنهجية.
فأين الردود العلمية التي يصان بها الدين ويزان بها المنهج؟ ثم أين التراحم والترابط والتعاطف القديم يا مهداوي ؟ فجأة بلا مقدمات ... الله المستعان،
قال النبي ﷺ: « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى » متفق عليه.
فإذا كانت الصفوف متفرقة، والقلوب مرتبكة، فإن الفتن تنتشر، والأعداء يفرحون، وحقائق الدين تضلل. ولذلك كان واجب أهل العلم والدعاة الصادقين: بيان الحق بالدليل، وكشف التلبيس والتحريف، وتثبيت الصف على الكتاب والسنة، ومراعاة المنهج السلفي في التزكية والرد، ورفع المنهج فوق الأشخاص والأحزاب والتحزبات، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].
فالحذر كل الحذر – يا إخوتي – من هذه الأمور التي تُبعد الناس عن بيان الحق، وتفكك الصف، وتضعف الدعوة، ولا بد من التمسك بالمنهج الحق، والحفاظ على الصف، وصيانة الدعوة السلفية من الشوائب والفتن.
نسأل الله عز وجل أن يرد الجميع إلى الحق ردًا جميلاً، وأن يحفظ الدعوة السلفية من كل فتنة ظاهرة وباطنة، وأن يجعل عملنا كله خالصًا لوجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
الإسكندرية من الديار المصرية حفظها الله من كل مكروه وسوء وسائر بلاد المسلمين.
ليلة الأحد: 6 شعبان 1447 هـ