رحم الإله صداك يا ألباني
مقال بعنوان: (رحم الإله صداك يا ألباني)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبِه ومن والاه وبعد:
فما أبعدَ الشُّقَّة، وما أعظمَ الفارق، بين عالمٍ بَسَطَ للناس صدرَه، وفتح لهم بابَه، وأرخى لهم سمعَه… وبين متصدِّرٍ أوصد الأبواب، وقطّع الأسباب، وتحصَّن بالصمت عند اضطراب الأحوال واشتداد الخطوب!
ذاك هو الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله رحمة واسعة؛ شيخٌ جاوز الثمانين، ولم يجاوز همَّ البيان طوال حياته، جلس في بيته لا حُجّابَ ولا أستار، ولا حواجزَ ولا أسوار؛ هاتفُه مُشرَع، وبابُه مُتَّسِع، وتسجيلُه شاهدٌ لا ينقطع، يُوثِّق السؤال والجواب، ويكشف الحق بلا ارتياب.
فمن شاء فليتصل، ومن أراد فليدخل، ومن خالف فليجادل؛
لا يُنقِّي خصمًا، ولا ينتقي سائلًا، ولا يُمهِّد لجوابٍ إعدادًا، ولا يرتِّب لمجلسٍ انعقادًا؛ بل الحقُّ عنده حاضر، والبيان لديه ظاهر، والعلم في صدره زاهر.
أيُّ ثباتٍ هذا الذي لا يتزعزع؟!
وأيُّ يقينٍ هذا الذي لا يتصدَّع؟!
وأيُّ علمٍ هذا الذي لا يتمنَّع؟!
يأتيه المختلفُ بمذهبه، والمخالفُ بمشربه؛ هذا أشعريٌّ يجادل، وذاك جهميٌّ يُماحك، وآخر خارجيٌّ يُشاغب، ورابع صوفيٌّ يُلبِّس، وخامس معتزليٌّ يُناقش… فيُقبل عليهم جميعًا، لا يصدُّ سائلًا، ولا يملُّ سائلًا، بل يُقابل الحُجّة بالحُجّة، والدليل بالدليل، ويُنزِل الكلام منزلَه، ويضع الجواب محلَّه.
فإذا تكلّم أدهش، وإذا استدلّ أبرَز وأوضح؛
الآيات تتلألأ على لسانه، والأحاديث تتدفّق من بيانه، يميّز صحيحها من سقيمها، ويغربل قويّها من عليلها، فيُبطل الباطل، ويُحقّ الحق، ويُلزم الخصم إلزامًا لا مهرب معه ولا مفَرّ.
ثم هو – مع هذا كلّه – سكينةٌ تمشي، وحِلمٌ يُروى، وصبرٌ يُقتدى؛
لا يعلو صوته وإن علا صوتُ خصمه، ولا يضيق صدره وإن ضاق صدرُ منازعه، بل يستدرجه بلطف، ويُدنيه برفق، ثم يُنزِل عليه الحُجّة إنزال القاضية، لا فظاظة فيها ولا قسوة، بل عدلٌ ورحمة، وحزمٌ مع حكمة.
تسمع المخالف فيُغلي دمُك من شططه، وتكاد تثور من غلطه، والشيخ ثابتٌ كالجبل، هادئٌ كالبحر، لا تعصف به ريحُ الجهل، ولا تُحرّكه زوابعُ الجدل.
والمجالس تُسجَّل، والمواقف تُنقَل، والحقائق تُكشَف، فلا يخشى انكشافًا، ولا يخاف افتضاحًا؛ لأن زاده علم، وعدّته صدق، وسلاحه إخلاص.
فأين هذا ممن إذا طُرِق هاتفُه أُغلِق، وإذا سُئل أعرَض وانصرف، وإذا أُحرِج حظر المتصل واعتزل؟!
أين هذا ممن لا يُسمع إلا صوته، ولا يُرى إلا وجهه، ولا يُتاح له مخالفٌ ولا مناقش؟!
أيُّ علمٍ يُصان بالفرار؟!
وأيُّ منهجٍ يُحمى بالاعتذار؟!
وأيُّ دعوةٍ تقوم على الإقصاء والاحتكار؟!
إن من دلائل ضعف اليقين: ضيق الصدر بالمخالف،
ومن أمارات قِلّة الزاد: الهروب من السؤال،
ومن علامات العجز: الصمت عند وجوب المقال.
قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾
وفي الحديث:
«من سُئل عن علمٍ فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نار».
فالعالمُ الحقُّ لا يُغلِق بابًا، ولا يُسكت جوابًا، ولا يُؤخِّر بيانًا؛
يقف حيث الحاجة، ويظهر حيث الفتنة، ويصدع بالحق لا يخشى في الله لومة لائم.
رحم الله الإمام الألباني؛ كان آيةً في الشجاعة، ومدرسةً في الصراحة، وحُجّةً على كلِّ من تذرّع بالصمت، أو تحصَّن بالحظر، أو توارى خلف الأعذار.
فيا من أوتيت علمًا:
افتح بابك قبل أن يُغلَق عليك، وأجب سائلَك قبل أن تُسأل، واصدع بالحق قبل أن يُحال بينك وبينه؛
فالعلم أمانة، والبيان ديانة، والسكوت عند الحاجة خيانة.
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
قبيل مغرب الثلاثاء ٢٦ شوال ١٤٤٧ هجرية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبِه ومن والاه وبعد:
فما أبعدَ الشُّقَّة، وما أعظمَ الفارق، بين عالمٍ بَسَطَ للناس صدرَه، وفتح لهم بابَه، وأرخى لهم سمعَه… وبين متصدِّرٍ أوصد الأبواب، وقطّع الأسباب، وتحصَّن بالصمت عند اضطراب الأحوال واشتداد الخطوب!
ذاك هو الإمام محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله رحمة واسعة؛ شيخٌ جاوز الثمانين، ولم يجاوز همَّ البيان طوال حياته، جلس في بيته لا حُجّابَ ولا أستار، ولا حواجزَ ولا أسوار؛ هاتفُه مُشرَع، وبابُه مُتَّسِع، وتسجيلُه شاهدٌ لا ينقطع، يُوثِّق السؤال والجواب، ويكشف الحق بلا ارتياب.
فمن شاء فليتصل، ومن أراد فليدخل، ومن خالف فليجادل؛
لا يُنقِّي خصمًا، ولا ينتقي سائلًا، ولا يُمهِّد لجوابٍ إعدادًا، ولا يرتِّب لمجلسٍ انعقادًا؛ بل الحقُّ عنده حاضر، والبيان لديه ظاهر، والعلم في صدره زاهر.
أيُّ ثباتٍ هذا الذي لا يتزعزع؟!
وأيُّ يقينٍ هذا الذي لا يتصدَّع؟!
وأيُّ علمٍ هذا الذي لا يتمنَّع؟!
يأتيه المختلفُ بمذهبه، والمخالفُ بمشربه؛ هذا أشعريٌّ يجادل، وذاك جهميٌّ يُماحك، وآخر خارجيٌّ يُشاغب، ورابع صوفيٌّ يُلبِّس، وخامس معتزليٌّ يُناقش… فيُقبل عليهم جميعًا، لا يصدُّ سائلًا، ولا يملُّ سائلًا، بل يُقابل الحُجّة بالحُجّة، والدليل بالدليل، ويُنزِل الكلام منزلَه، ويضع الجواب محلَّه.
فإذا تكلّم أدهش، وإذا استدلّ أبرَز وأوضح؛
الآيات تتلألأ على لسانه، والأحاديث تتدفّق من بيانه، يميّز صحيحها من سقيمها، ويغربل قويّها من عليلها، فيُبطل الباطل، ويُحقّ الحق، ويُلزم الخصم إلزامًا لا مهرب معه ولا مفَرّ.
ثم هو – مع هذا كلّه – سكينةٌ تمشي، وحِلمٌ يُروى، وصبرٌ يُقتدى؛
لا يعلو صوته وإن علا صوتُ خصمه، ولا يضيق صدره وإن ضاق صدرُ منازعه، بل يستدرجه بلطف، ويُدنيه برفق، ثم يُنزِل عليه الحُجّة إنزال القاضية، لا فظاظة فيها ولا قسوة، بل عدلٌ ورحمة، وحزمٌ مع حكمة.
تسمع المخالف فيُغلي دمُك من شططه، وتكاد تثور من غلطه، والشيخ ثابتٌ كالجبل، هادئٌ كالبحر، لا تعصف به ريحُ الجهل، ولا تُحرّكه زوابعُ الجدل.
والمجالس تُسجَّل، والمواقف تُنقَل، والحقائق تُكشَف، فلا يخشى انكشافًا، ولا يخاف افتضاحًا؛ لأن زاده علم، وعدّته صدق، وسلاحه إخلاص.
فأين هذا ممن إذا طُرِق هاتفُه أُغلِق، وإذا سُئل أعرَض وانصرف، وإذا أُحرِج حظر المتصل واعتزل؟!
أين هذا ممن لا يُسمع إلا صوته، ولا يُرى إلا وجهه، ولا يُتاح له مخالفٌ ولا مناقش؟!
أيُّ علمٍ يُصان بالفرار؟!
وأيُّ منهجٍ يُحمى بالاعتذار؟!
وأيُّ دعوةٍ تقوم على الإقصاء والاحتكار؟!
إن من دلائل ضعف اليقين: ضيق الصدر بالمخالف،
ومن أمارات قِلّة الزاد: الهروب من السؤال،
ومن علامات العجز: الصمت عند وجوب المقال.
قال الله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾
وفي الحديث:
«من سُئل عن علمٍ فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نار».
فالعالمُ الحقُّ لا يُغلِق بابًا، ولا يُسكت جوابًا، ولا يُؤخِّر بيانًا؛
يقف حيث الحاجة، ويظهر حيث الفتنة، ويصدع بالحق لا يخشى في الله لومة لائم.
رحم الله الإمام الألباني؛ كان آيةً في الشجاعة، ومدرسةً في الصراحة، وحُجّةً على كلِّ من تذرّع بالصمت، أو تحصَّن بالحظر، أو توارى خلف الأعذار.
فيا من أوتيت علمًا:
افتح بابك قبل أن يُغلَق عليك، وأجب سائلَك قبل أن تُسأل، واصدع بالحق قبل أن يُحال بينك وبينه؛
فالعلم أمانة، والبيان ديانة، والسكوت عند الحاجة خيانة.
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
قبيل مغرب الثلاثاء ٢٦ شوال ١٤٤٧ هجرية